الخميس، 1 يونيو 2023

حرب يوغرطة (يوغرثن) (112 ق.م-105 ق.م) Bellum Iugurthinum و الحملة الأولى:



 حرب يوغرطة (يوغرثن)  (112 ق.م-105 ق.م) Bellum Iugurthinum و الحملة الأولى:


روما تعلن الحرب على نوميديا :


بعدما قتل الملك يوغرطة العميل أدربال و التجار الرومان في سيرتا و أعاد توحيد نوميديا من جديد،  كانت تلك هي الشرارة لبداية الحرب ضد روما التي لا تقبل ندا لها في شمال إفريقيا. فتم إعلان الحرب عليه من قبل مجلس الشيوخ الروماني رغم أن يوغرثن لم يخطَط لذلك فعليا، بل كان ذلك لإنهاء الصراع على السلطة و لإخماد الغضب الشعبي المتزايد.
و مع ذلك، كان إعلان المجلس الروماني الحرب على يوغرطة اعتقادا منهم أنها ستكون مجرد حملة عقابية قصيرة الأمد هدفها إخضاع يوغرطة مع ضمان بقاء مملكته حليفة لروما، وليست حربا ضروسا. لكن ما حصل هو العكس، وتحولت الحملة العقابية إلى حرب طويلة و خطيرة كلفت روما الكثير من الأرواح و الموارد إستمرت 7 سنوات لتحديد مستقبل المنطقة و كان لها تأثيرات دراماتيكية على السياسة الرومانية و الصراع بين الأرستقراطيين و العامة. حيث قال سالوستيوس: "سأكتب عن الحرب التي خاضها الشعب الروماني ضد يوغرطة ملك النوميديين، أولا لأنها كانت كبيرة و خطيرة و ظل النصر فيها محل شك..  ثم لأنها لأول مرة تم مواجهة طغيان النبلاء بالقوة. لقد أدت الحرب إلى الفوضى في الأشياء الإلهية والبشرية حتى سببت المعارك الأهلية التي أدت لخراب إيطاليا " ، ويقول فلوروس: " بعد تدمير قرطاج ، من كان يتوقع حربا جديدة في إفريقيا ؟ ولكن مع ذلك  إهتزت نوميديا بعنف، و وجدت روما في يوغرطة عدوا خطيرا بعد حنبعل ، هذا الملك الداهية عندما رأى أن الشعب الروماني لا يُقهر في المعارك ، شن عليهم حربا بالذهب.. لكن الثروة ستحظى عكس التوقعات بأن يكون أذكى الملوك هو نفسه ضحية الحيلة  "


حملة كالبورنيوس بيستيا سنة 112 ق.م:


بعد إعلان الحرب ضد يوغرطا تم إنتخاب بيستيا قنصلا لقيادة العمليات في نوميديا. و بعد تجهيز الجيش و إختيار القادة من بينهم سكاوروس إنطلق نحو إفريقيا.
عندما سمع يوغرطة بهذه الأخبار غير المتوقعة أرسل مبعوثين لروما و هم إبنه و اثنان من أصدقائه و أمرهم بشراء أعضاء المجلس، لكن تم رفض إستقبالهم إذا لم يأتوا لتسليم يوغرطة والمملكة، فغادروا دون نتيجة.
في أثناء ذلك، عبرت الجيوش الرومانية إلى شمال إفريقيا و بدأ بيستيا هجومه، فسيطر على بعض المدن و أسر عددا من السكان، لكنه لم يتوغل في الداخل. ولأن يوغرطة فضل الحيلة في الحرب، أرسل مبعوثين لتجربة تأثير الأموال على القائد الروماني. و بالفعل، نجح في إقناعه بقبول الهدنة و التفاوض حول شروط السلام. لذلك أرسل بيستيا الصراف سكستيوس لمدينة فاجا التابعة ليوغرطة لاستلام القمح الذي طلبه كدليل على حسن النية، بعدها وصل الملك يوغرطة إلى المعسكر الروماني وفقا للإتفاق و تحدث قليلا أمام المجلس الحربي (وليس مجلس الشيوخ) ، ثم رتب عدة قضايا مع بيستيا وسكاوروس. و هكذا في اليوم التالي تم قبول اتفاقية السلامكما أرادها يوغرطة مقابل تسليم 30 فيلا وعددا من الماشية و قليل من الفضة. بعدها غادر بيستيا إلى روما و ساد السلام المنطقة من جديد.


نتائج إتفاقية يوغرطة مع بيستيا:


بعد وصول أخبار إتفاقية السلام انفجر الغضب الشعبي عارما و بقي مجلس الشيوخ في حيرة مما سيتم فعله. و كان في ذلك الوقت منصب مهم في مجلس الشيوخ خصص للطبقة العامة يسمى منبر العامة (التريبون) ويشغله الشاعر و السياسي غايوس ميميوس، و كان معاديا بشدة للطبقة الأرستقراطية و يتمتع بقوة خطابية مؤثرة في روما. بمجرد عودة بيستيا ألقى غايوس خطابا تحريضيا و أقنع فيه عامة الشعب أن اتفاق السلام كان مشينا، و طالب بمحاسبة المتورطين في الرشوة. و أمام تفاقم الغضب في الشارع لم يكن من حل سوى دعوة يوغرطة الى روما للمفاوضات مقابل استمرار الهدنة.

تمت دعوة يوغرطة للحضور إلى روما عن طريق بريتور كاسيوس مع ضمان سلامته على الدولة.
و في الجانب الآخر في نوميديا، تم رشوة القادة الذين تركهم بيستيا هناك و سلموا جميع الفيلة ليوغرطة ونهبوا القبائل المجاورة.
بعد أن وصل يوغرطة إلى روما حصل على تأييد الرجال المشهورين و الذين رشاهم من قبل، ونجح في شراء صوت بايبوس النائب في مجلس الشيوخ مقابل حمايته من أي غدر او اعتداء ،
فنادى غايوس إلى لقاء شعبي لكن الجمهور كان غاضبا من يوغرطة، و العديد منهم طالب بسجنه. و بعد أن قام بتهدأتهم حضر يوغرطة إلى الإجتماع وأخبره ميميوس بكل أفعاله في نوميديا و طلب منه الرد على الاتهامات، لكن بايبوس إستعمل حقه في التدخل و طلب من
يوغرطة أن يظل صامتا بالرغم من أصوات الحشد الشعبي الغاضب و التهديدات.
انتهى الاجتماع الشبيه بالمحاكمة دون الإيقاع بيوغرطة، انتصرت شجاعته و حيلته في النهاية و غادر الجمهور الإجتماع.


إغتيال الأمير النوميدي ماسيفا:


في تلك الفترة كان يعيش في روما أمير نوميدي إسمه ماسيفا Massiva و هو إبن الملك غولوسا و حفيد ماسينيسا، و كان معاديا شرسا ليوغرطة أثناء الحرب الأهلية النوميدية، فهرب إلى روما بعد سقوط سيرتا و مقتل أدربال ، فحاولت روما استغلال الوضع لصالحها،  و أقنع القنصل ألبينوس المعارض ماسيفا  بحقه في كرسي الحكم النوميدي بحجة كونه سليل الملك ماسينيسا. و لأن يوغرطة كان مكروها من طرف الرومان و رغبة ألبينوس الكبيرة في استئناف الحرب بالاستعانة بالبيدق المعارض ماسيفا، بدأ الأخير بتنفيذ خططه لإثارة الانقسام في نوميديا، فاضطر يوغرطة الى الحل الحاسم و هو تصفيته بأي طريقة كانت مادام موجودا في روما ، بالاعتماد على الملازم و أكثر رجاله ثقة "بوميلكار" لقتل ماسيفا،  لأن وصول ماسيفا الموالي للرومان الى حكم نوميديا سيضع يوغرطة في موقف كارثي و يعيد المملكة النوميدية الى الصفر مقسمة من جديد.
استأجر بوميلكار الجواسيس لمراقبة و تتبع ماسيفا يوميا، رحلات قدومه و خروجه و أماكن تواجده المعتادة.. عندما جمع المعلومات اللازمة حانت الفرصة المناسبة و وقع ماسيفا في الفخ ، فهاجمه أحد الرجال الذين تم استئجارهم و قتله. لكن تم القبض على بوميلكار ، و بعد استنطاقة اعترف بمسؤوليته عن مقتل ماسيفا فأدين و حكم عليه بمعاقبته..


روما للبيع فمن يشتري :


أما هذا الوضع،  يوغرطة لم يبق مكتوف الأيدي فأعمل الحيلة و تمكن من تهريب بوميلكار سرا إلى نوميديا لأنه كان يخشى أن يتلكأ النوميديون في طاعته إذا ما تم قتل قائدهم .
وهكذا، بعد أيام  غادر الملك النوميدي  يوغرطة روما، بعدما نجح في إسكات الغضب الشعبي الروماني و المعارضة النوميدية في الخارج. و قبل رحيله قال جملته الشهيرة عنها :
" روما مدينة للبيع مصيرها الدمار إذا وجدت من يشتريها "


المصادر:


" Urbem Venalem et Matura Perituram si Emptorem Invenerit "
1_ Sallust , The War Against Jugurtha XXVII.... XXXV
2_ Annius Florusa , Abridged Roman History P 209 , 210