السبت، 8 يناير 2022

الوجود الليبي الأمازيغي في الحضارة المصرية

 




 الوجود الليبي الأمازيغي في الحضارة المصرية  


مقدمة : 

هناك مثل شعبي ليبي شائع قديم يقول : " تحساب روحك على راسك ريشة ؟ "

يقال هذا المثل للشخص الذي يظن نفسه أعلى و أفضل من الآخرين و متميزا عن الناس.

أصل هذا المثل يرجع للقبائل الليبية الأمازيغية القديمة، التي تظهرها بعض الرسومات الفرعونية على الآثار و الأضرحة، أن زعماء القبائل الليبية كانوا يضعون ريشة على رؤوسهم ليتميزوا بها عن بقية الأعراق الموجودة قديما، و هذه النقوش تعود لقبائل أمازيغ الليبو التي سكنت أراضي شرق ليبيا ودلتا النيل في الشمال و اشتق اسم "ليبيا" من هذه القبيلة، و تمتد هذه القبائل إلى غاية المحيط الأطلسي و جزر الكناري.

و دخلت في حروب عديدة مع المملكة الفرعونية انتهت بسيطرة الملك الامازيغي شيشناق على الحكم في ايجبتوس.


الليبيون سكان شمال  إفريقيا :


الليبيون أو الأمازيغ بالتسمية المعروفة حاليا هم القبائل المنتشرة من نهر النيل شرقا الى غاية المحيط الاطلسي غربا كما ذكره المؤرخ هيرودوت 500 ق م.

و أهم ما ذكره المؤرخ هيرودوت 500 سنة قبل الميلاد أن شمال إفريقيا (أو ليبيا كما سماها) فيها شعبين أصيلين هما :

الليبيين "الأمازيغ" ويسكنون الشمال من قارة ليبيا (إفريقيا)

الأثيوبيين "الزنوج" ويسكنون الجنوب من قارة ليبيا (إفريقيا)






وذكر أيضا أن في بلاد ليبيا يوجد ساكنة أقلية من الإغريق واليونان في بعض المناطق وقال عنهم بأنهم ليسوا أصليين

وهذه الشهادة هي أحسن إثبات و رد لمن يدعي بأن الأمازيغ أو الليبيين كما يسميهم المؤرخ هيرودوت لهم علاقة مع الفينيقيين.

مصطلح "ليبي" كصفة لسكان شمال غرب إفريقيا كان معروفا و متداولا إلى ما بعد ميلاد المسيح و يلقب به أهالي منطقة الشرق الجزائري. وتوجد رسالة من القرن الثاني بعد الميلاد تعود إلى  القنصل الروماني الليبي الأصل من قسنطينة الجزائر حاليا و المسمى فرونطو 

( Marcus Cornelius Fronto )

ولد في 100 بعد الميلاد و توفى في 160، هذا الليبي القسنطيني و هو والي و قنصل تابع لروما و أستاذ للامبراطور ماركوس أوريليوس كتب إلى أم هذا الأخير رسالة ذكر فيها أنه "ليبي" من النوميد، وهذا يدل على أن صفة الليبو هي قومية تشمل كل شمال افريقيا و كل قبائل الأمازيغ عامة.

الرسالة اسمها :

Fronto à Domitia Lucilla

(Eng: To the mother of Caesar)


الليبيون سكان منطقة النيل في عصر ماقبل الأسرات :

ما يكاد يجمع عليه المؤرخون هو أن هناك تفاعلا وتشابها في التقاليد والعادات واللغة... الخ بين المصريين القدماء خاصة الأقباط والأمازيغ، 

وأن هذا التشابه نابع من التفاعل الذي كان قائما بين الحضارتين منذ فجر البشرية، فهو ليس وليد الفترة التي استولى فيها الأمازيغ على عرش النيل، بعد نهاية الأسرة المصرية الواحدة والعشرين سنة 950 ق.م، من خلال الملك الليبي شيشنق، بل كان قائما منذ أن بدأت ملامح الحضارة الفرعونية تتشكل وتظهر على مسرح التاريخ. و هناك أدلة علمية و أنتربولوجية تؤكد حقيقة تواجد الشعب الليبي الأمازيغي أو كما كان يطلق عليهم اسم الليبو في شمال نهر النيل و منطقة الدلتا قبل ظهور الأسرات الفرعونية وهذا ما سنوضحه فيما يلي :


بما أن الأمازيغ الذين كانوا أكثر وأقدم احتكاكا مع المصريين القدماء هم قبيلة "التحنو" فسنتحدث قليلا عنهم لأنه قد جاء ذكرهم بكثرة منذ زمن طويل من خلال الآثار والنقوش والرسوم الفرعونية.






تظهر النقوش و الآثار و الوثائق العائدة لفترة ماقبل الأسرات و ما بعدها Pre-Dynastic المؤرخة بحوالي (3400- 3200 ق.م.) قبل ظهور المملكة القديمة Ancient Kingdom المؤرخة بحوالي (2900-2280ق.م) ، الدليل القاطع و الجذري عن هوية من سكن مصر في تلك الفترات الأولى لعهد تأسيس الحضارة الفرعونية في الأراضي المصرية.


والتي بينت أنه في حوالي 4 الاف سنة ق.م كانت حروب بين ساكنة مصر في شرق النيل و ساكنة مصر الحالية غرب النيل وهم الليبيون أو كما نسميهم الأمازيغ


تجدر الإشارة إلى أن التحنو هم الليبيين أو الأمازيغ بالضبط كما ذكرت في البداية. ولقد جاء ذكرهم في بعض النقوش المصرية بهذا الاسم، كما هو معروف لدى المؤرخين وفي مايلي هذا أهمها:


الإثبات الأركيولوجي الأول:






أول الإثباتات الأركيولوجية هي من فترة ماقبل الأسرات، و تبدأ مع لوحة التحنو أو Libyan Palette


وتعتبر هذه اللوحة من أهم الشواهد الأثرية التي تدل على أن ساكنة شمالي النيل، أو ما يعرف بمنطقة الدلتا كانو من الليبيين القدماء. وقد عثر على هذه اللوحة في أبيدوس في مصر العليا، من طرف العالم الألماني Günter Dreyer و الذي حدد تسمية البلد من خلالها بالعبارة : "تاسيتي" T'a Siti و تعني أرض الأقواس أو أرض القوة أو رب القدرة.

ومن اللوحة أيضا استطاع العالم Günter Dreyer أن يميز العلامة الهيروغليفية التي تدل على التحنو الليبيبين، حيث نجد على أحد وجهي هذه اللوحة رسومات تمثل سبع مدن ليبية محصنة متحالفة استطاع أن ينتصر عليها الملك الفرعوني.

أما على الوجه الآخر فنجد ثلاثة صفوف تمثل ثيران وحمير وأغنام وأسفلها أشجار زيتون، بالقرب منها العلامة الهيروغليفية التي تدل على التحنو من ليبيا.

التحنو تعني حرفيا طوبومونيا خاصة بليبيا، أي منطقة غرب الدلتا شمال مصر.

و تعترف الحكومة المصرية عبر وزارة الآثار و الثقافة المصرية في متحفها بالقاهرة بهذا الأمر، حيث تنسب اللوحة بشكل رسمي لسكان ليبيا و تاريخ ليبيا، ويمكن التأكد من خلال الموقع الرسمي لمتحف القاهرة.


رسم الليبيين في آثار ما قبل الأسرات الفرعونية :


حسب ما ورد في كاتالوغ المتحف المصري، هذه الصلاية تنتمي لعصر ما قبل الأسرات وتحديدًا عهد الملك العقرب الذي قام بتوحيد القطرين الشمالي و الجنوبي قبل الملك نارمر. وهي من حجر الشست. تم العثور عليها في أبيدوس (سوهاج حاليا) ومعروضة بالمتحف المصري بالقاهرة. 

على الوجه الأول للصلاية جهة اليسار، نرى صورة لعقرب وحيوانات أخرى كل منهم يحمل فأسًا ويهدم حصنًا، و هذه الحيوانات اتخذت رموزا لأمراء مصر في ذلك الوقت، و يتشبهون بها لإعجابهم بقوتها وقدراتها. يعتقد البعض أن هذه الحصون كانت في غرب الدلتا. 

على الوجه الثاني جهة اليمين، صورة لصفوف من الحيوانات والنباتات كانت غنائم حصل عليها المصريون من غرب الدلتا بعد انتصارهم، على أمازيغ التحنو وعلى يمين صف النباتات بالأسفل توجد عصا معقوفة ترمز إلى قبائل التحنو التي كانت تعيش في الأراضي الليبية غرب الدلتا في ذلك الوقت مما يدل على أن المصريين كانوا يحاربون هذه القبائل.


الإثبات الأركيولوجي الثاني:



ومن أقدم آثار كتب عليه اسم أمازيغ التحنو هو صلاية الأسد والعقبان التي ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات في الألف الرابعة قبل الميلاد (4000 ق م) .


عُثر على هذه الصلاية في منطقة الكوم الأحمر وارتفاعها حوالي 32سم، ويوجد منها جزآن أحدهما محفوظ في متحف الأشموليان والآخر موجود في المتحف البريطاني. في هذه الصلاية منظر لرجال صرعى على الأرض وأسد يفترسهم وعقبان تحوم حولهم وتنقض عليهم ، لذلك سميت صلاية العقبان أو صلاية الأسد والعقبان. و في أعلى الصلاية صورة رجلين أسيرين أيديهما مقيدتان خلف ظهريهما يسوقهما لوائان مصريان عليهما الصقر حورس (وهذا يظهر أيضا أن حورس كان الإله الرسمي للبلاد في عصر ما قبل الأسرات وتحديدًا عصر نقادة الثالثة).

 الرجال يبدو من لحاهم وشعورهم الطويلة أنهم أجانب، و يرى الباحثون مثل نيقولا جريمال أنهم ليبيون من غرب نهر النيل أو كما يعرفون باسم التحنو. أما الأسد فمعروف أنه يمثل ملك مصر، حيث كان الملوك وقتئذ يحبون التشبه بالأسود والثيران إعجابا بقوتهم. واللواء الذي يقف عليه الصقر يمثل الإله حورس. من هنا يتضح أن الصلاية تروي قصة معركة شرسة دارت بين المصريين والأجانب الليبيين انتهت بانتصار المصريين.


شرح الرسومات :


هذه الصلاية هي ملحمة مصرية رواها المصريون على شكل صور وليس كلمات نظرا لعدم انتشار الكتابة وقتئذ، وهي ملحمة مزينة بتشبيهات رمزية جميلة، حيث تشبه الملك بالأسد والجنود المصريين بالعقبان، فإذا تُرجمت الصورة إلى كلمات تتحول إلى : " أغار الأجانب ذووا اللحى الطويلة والشعر المجعد على مصر، فخرج ملك مصر مع جنوده لقتالهم فهاجمهم الملك المصري كالأسد الذي ينقض على فريسته، وانطلق المصريون نحوهم كالعقبان التي تنقض على الفرائس حتى أبادوا الأجانب وألقوا العديد منهم صرعى على الأرض وأسروا من تبقى منهم أحياء وقيدوا أيديهم خلف ظهورهم وساقوهم أمامهم في موكب احتفالي مهيب".


الإثبات الأركيولوجي الثالث:



وهي لوحة الصيادين Hunters Palette أو لوحة صيد الأسود، مؤرخة بحوالي 3100 سنة قبل الميلاد من عهد ماقبل الأسرات، وترجع لفترة الحضارة النقادية الثالثة، معروضة لدى العموم في المتحف البريطاني وتعتبر إحدى تحف مجموعة اللوفر.


تظهر اللوحة مجموعة من 20 صيادا ليبيا من التحنو، ملتحين ويزينون شعورهم بالريش ويرتدون كيس العورة وتتدلى من قمصانهم القصيرة ذيول محملين بأسلحة من سهام و أقواس وصولجان، رمي للعصي، والرماح برفقة كلابهم ... وهم في حملة لصيد أسود وأرانب صحراوية وأنواع من الغزلان و جواميس من الثيران و طيور.

اللوحة تظهر احدى أهم الأنشطة الاقتصادية و الأجتماعية لعصر ماقبل الاسرات الفرعونية و قبل عهد التوحيد و التأسيس. و يظهر بشكل جلي مدى كثرة تواجد العنصر الليبي القديم داخل المجتمع و أساليب عيشه.


الإثبات الأركيولوجي الرابع :

لوحة التوحيد:



 ظهر اسم التحنو خلال الأسرة الأولى (3400- 3200 ق.م.) فى عهد الملك نعرمر على أسطوانة من العاج تعرف باسم لوحة التوحيد. ويظهر الملك فى هذا النقش وهو يضرب مجموعة من الأسرى الجاثمين، نقش فوقهم عبارة تحنو باللغة الهيروغليفية.


ذكر أيضا أمازيغ التحنو على الختم الأسطواني للملك نعرمر من الأسرة الأولى، و ورد في المعبد الجنائزي للملك ساحورع من الأسرة الخامسة، وفي نصوص الأهرامات وفي نصوص الأدعية من عصر الملك سيتي من الأسرة السادسة، وذكر على النصب التذكاري للملك منتوحتب بالجبلين من الأسرة الحادية عشرة. ومنه اشتق الإسم الأنتولوجي " تحينو " أي شعب التحنو ، وكتب بأكثر من طريقة على آثار تتواصل حتى عصر الدولة الحديثة .



#الأمازيغ_في_الحضارة_المصرية_القديمة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق