إمارة كوكو و الحرب ضد الغزاة
:أحمد بلقاضي مؤسس إمارة كوكو
أحمد بلقاضي (بالقبائلية : سيذي حند اولقاضي) ولد في
النصف الثاني من القرن ال15، يعتبر مؤسس إمارة كوكو التي كانت تحكم كل جبال جرجرة إلى غاية الجزائر العاصمة و تيبازة و تنس غرباً و سطيف و بويرة و مشارف قسنطينة شرقاً في بداية القرن ال16.
أحمد و القاضي ينتسب إلى آث غبري في تيزي وزو حاليا، و لقبه بلقاضي أو ابن القاضي يعود لكونه من أحفاد العالم الشهير و قاضي بجاية و تونس في القرن ال 13م أبو العباس الغبريني صاحب رائعة "عنوان الدراية فيمن عُرف من علماء المئة السابعة ببجاية" ، و مِثلَ جدّه كان أحمد بلقاضي مقرّباً من الحفصيين الأمازيغ و كان من حكام الأقاليم حيث يرجّح أنه حكم عنابة الحفصية ، كما اشتغل بالقضاء.
أحمد بلقاضي أمير جرجرة المجاهد :
عند سقوط بجاية عاصمة الحفصيين الغربية في يد بيدرو نافارو الإسباني سنة 1510م، لجأ أحمد بلقاضي إلى أَوْرير في آيت الغبري و جمع حوله عروش زواوة مؤسّسا للمقاومة الشعبية ضد الإسبان، ثمّ اتخذ حصن كوكو بأعالي جرجرة قرب عين الحمام عاصمةً له، و كانت كوكو في القرن ال16 مدينة محصنة منيعة الأسوار مثلما وصفها مرمول كربخال في كتابه إفريقيا، و أنها بلد حصين و غني به مختلف الصنائع و الحرف و المنتوجات و الأسلحة.
:الحرب ضد الإسبان
تذكر المصادر التاريخية أن أحمد بلقاضي يعتبر من بين من تواصل مع الإخوة بربروس للمساعدة في تحرير بجاية، فهاجم عروج مدينة بجاية بسفنه سنة 1512م بينما جمع أحمد بلقاضي أكثر من عشرين ألف مقاتل من جبال جرجرة بعد إعلان النفير العام في منطقة القبائل للجهاد. و كانت المعارك لصالحهم في البداية حتى أصيب عروج بقذيفة في ذراعه، فاضطر للإنسحاب على إثرها فانقلبت الموازين و انهزم الجيش.
بعد ثلاث سنوات أعاد أحمد بلقاضي الكرّة مرة ثانية رفقة
الإخوة بربروس و شارك في المعركة كل أعراش وقبائل جرجرة التي زحفت بجيش يفوق العشرين ألفا من المقاتلين المدججين بالأسلحة، فحاصرو بجاية بينما هاجم الإخوة بربروس المدينة من البحر عبر ثلاث سفن رست في نهر الصومام، و استطاع الجيش اقتحام أحد أبراج الحامية و تحطيمه و كادوا يستولون على المدينة لكن السلطات الإسبانية أرسلت إمدادات سريعة مجهزة بمختلف الأسلحة لنجدة الحامية الإسبانية، فاضطر الجيش إلى رفع الحصار بعد شهرين من القتال، كما أحرق بربروس سفنهم حتى لا يستولي عليها الإسبان.
بعد الفشل في إنتزاع بجاية من الإسبان ساهم أحمد بلقاضي مع الإخوة بربروس في محاولاتهم لإنتزاع حصن البنيون بمدينة الجزائر من الإسبان، و كان بلقاضي على علاقة طيبة من سليم التومي أمير الجزائر آنذاك ، و ساهم بلقاضي بجيشه كذلك مع الإخوة بربروس في حملتهم على الإسبان وحلفائهم في وهران و تلمسان سنة 1518م، و هناك توفي عروج في إحدى المعارك و خلفه أخوه خير الدين على الجزائر.
:القطيعة مع الإخوة بربروس و الحرب ضد الأتراك
القطيعة التامة مع الإخوة بربروس ظهرت جليا بعد مقتل عروج في تلمسان سنة 1518م، و الظاهر أن الأسباب الأساسية وراء ذلك هي :
- مقتل سليم التومي أمير الجزائر على يد عروج بربروس في حوالي 1516م و استيلاء هذا الأخير على الجزائر.
- مقتل عروج بربروس سنة 1518م في تلمسان و اتهام خير الدين بربروس لأحمد بلقاضي بالتهاون في نصرته حتى قُتل.
- استنجاد خير الدين بربروس بالباب العالي و إهدائه الجزائر للعثمانيين بعد إعلان ولائه للأتراك، حيث أصبحت الجزائر منذ ذلك الحين إيالة عثمانية و هو احتلال سافر و تعدي على الأرض.
فعلماء بجاية و الجزائر وتونس وقت استنجادهم بالبحارة بربروس، كان هؤلاء متحررين من أي ولاء علني لأي دولة.
بعد اعلان الجزائر إيالة عثمانية و القطيعة مع الإخوة بربروس، أعلن الامير بلقاضي الحرب عليهم ، و قام بنقل عاصمته من أورير إلى كوكو الحصينة بأسوارها المنيعة ، و قام بإنشاء أسطول بحري و جهّز ميناء أزفون لذلك . ثم لجأ إلى السلطان الحفصي في تونس و طلب منه المدد و نادى بالنفير العام في جبال جرجرة فالتقى الجمعان جيش ابن القاضي مع جيش خير الدين بربروس في وادي يسر سنة 1520م ، حيث خرج الأتراك لقطع الطريق نحو الجزائر و لكن هزيمة بربروس كانت ساحقة و فرّ هذا الأخير إلى جيجل فدخل ابن القاضي أبواب مدينة الجزائر منتصراً ، حيث أعلن نفسه حاكم إمارة كوكو و الجزائر. و توغل في الغرب إلى غاية البليدة، تنس و تيبازة، و قام بتعيين أحد القادة الأتراك الذين ساعدوه ضد بربروس كحاكم باسمه على تنس لمكافأته. لاختياره الجانب الجزائري.
كما توغل ابن القاضي شرقاً و هزم إمارة آث عباس التي تحالفت مع الأتراك ضده، و وصلت دولته مشارف قسنطينة.
مقتل الأمير احمد بلقاضي :
كانت تلك الفترة بين 1520م و 1527م هي العصر الذهبي لإمارة كوكو، غير أن هذا العصر الذهبي لم يدم طويلاً لأن بربروس أعاد تنظيم صفوفه و بدعم من السلطان العثماني سليمان القانوني في إسطنبول لاقتحام مدينة الجزائر سنة 1527م ، فاحتدمت المعارك مرة أخرى بين إمارة كوكو و الأتراك إلى أن قُتل أحمد بن القاضي في أحد المعارك بآث عيشة قرب الثنية. و قد قتله أحد الخونة من شيوخ العرب مثلما كتب خير الدين في مذكراته، بعد ذلك حمل لواء القتال ضد الأتراك أخوه الحسين بن القاضي إلى أن توصل إلى وفاق مع خير الدين.
و لكن رغم أن إمارة كوكو انحصرت بوفاة أحمد بن القاضي و أصبحت تقتصر على منطقة القبائل الغربية و الجنوبية لكنها بقيت صامدة إلى غاية حوالي منتصف القرن 18م مستقلة عن حكم الأتراك بين حروب و تحالفات و حتى مصاهرات بينهم على حسب ما تقتضيه العلاقات و المصالح السياسية.
#المراجع:
_ إفريقيا الجزء الثاني لمرمول كربخال
_ الجزائر خلال الحكم العثماني لصالح عبّاد
_ مذكرات خير الدين بربروس
_Histoire des villes de la province de Constantine de Charles Féraud
_Le Djurdjura à travers l'histoire de Si Ammar Boulifa.
ليست هناك تعليقات