الاثنين، 9 يناير 2023

عوامل انهيار إمارة كوكو "آث و القاضي"


 عوامل ضعف إمارة كوكو وانهيارها:


 المقال للدكتور : أرزقي شويتام ، أستاذ محاضر ، قسم التاريخ جامعة الجزائر. 

مقدمة:


 بعد مضي قرن من تأسيس الإمارة، بدأت عوامل الضعف تلوح في الأفق. فكانت البداية باندلاع الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة فى مطلع القرن السابع عشر. وقد أدى ذلك النزاع إلى عدم استقرار مقر السلطة، إذ اتخذ أمراء كوكو خلال فترة حكمهم عددا من المقرات لإمارتهم؛ منها كوكو و أَورير و أشلام. وقد انعكس هذا التنقل المستمر لمركز السلطة سلبا على استقرار الإمارة. وعلاوة على ما ذكر، هناك جملة من العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في ضعف الإمارة وزوالها في النهاية. ونحاول خلال هذا العرض أن نحلل بعضا منها.

 الصراعات العائلية: 


بدأ التنافس بين أفراد العائلة الحاكمة حول السلطة بعد مقتل أمير كوكو أعمر بن القاضي في عام 1618م. ومهما اختلفت المصادر حول تحديد هوية الشخص الذي قام بارتكاب هذه الجريمة، فإن المؤكد هو أن الإمارة دخلت فى مرحلة الاضطرابات الداخلية التى تسببت في ضعفها، مما جعل الأمراء الذين سيأتون بعدها غير قادرين على فرض سلطتهم على الرعية، إذ لاحظنا أن بعد مقتل أعمر بن القاضي الذي عرف بحزمه وشدته في تسيير شؤون إمارته ، تحررت عدة أجزاء من بلاد زواوة من هيمنة الإمارة.
 فقد ذكرت المصادر أنه "بعد أيام معدودة من الخلاف الذي وقع ببن أعمر بن القاضي والشيخ سيدي منصور الجنادي ضربه أحد أعدائه بالرصاصة فقتله.. وتشتت أمر الخلافة ولم تنعقد مدة طويلة. وبقيت الأعراش مهملة، فصار الناس يتحاكمون إلى العلماء والأولياء لكن بالاختيار لا بالقهر. وبقي الحال كذلك إلى أن خرج الترك من الجزائر".

وقد استغل أحد أفراد الأسرة القاضوية الظروف الحرجة التي كانت تمر بها الإمارة، لينقل مقر الإقامة للإمارة من كوكو إلى أورير ثم أشلام و آث غبرين. وهنا أيضا اختلفت المصادر في تحديد اسم الشخص الذي استولى على عرش الإمارة. فالأرجح أن يكوز أحمد بن أعمر بن القاضي المقتول، الذي كان يعرف ب"حند التونسي". بعد مقتل والده اعمر بن القاضي فرت والدته إلى تونس، وبعد فترة من الزمن عاد إلى آث غبرين ليسترجع عرش والده الضائع، وكان له ذلك بعد أن تلقى الدعم من العثمانيين. إن استيلاء ‎أحمد بن أعمر بن القاضي على السلطة قد ساهم في اشتداد الخلافات بين أفراد الأسرة، فتفككت الإمارة وتفرعت إلى عدة فروع، وهذا ما يفسر سبب تعدد مقرات الإمارة. ففي عام 1696 قام "أرخو" بن احمد بن أعمر" بتأسيس فرع في جمعة ن الصحريج. وما يمكن قوله هو أن هذا التشتت الذي عرفته الأسرة الحاكمة كان من الأسباب التي ساهمت في إضعاف الإمارة و بقائها عاجزة عن فرض ‏ سلطتها محليا ، ومواجهة الخطر الخارجى المتمثل فى العثمانيين. وما يمكن ملاحظته، هو أن آل القاضى قد ‎تخلوا عن مشروع أجدادهم المتمثل في تأسيس إمارة قوية يمكنها أن تنافس العثمانيين، بل هناك من استنجد بالعثمانيين ضد أفراد عائلته، وهكذا فتحوا لهم المجال للتوغل في أعالي سيباو، وإخضاع لطاعتهم العديد من قبائل بلاد الزواوة، مثل مقلع وجمعة ن الصحريج. التي كانت إلى فترة قريبة تتمتع بالاستقلال النسبي... 

الصراع بين الإمارة والقوى الدينية المحلية:


 لقد أدى تسلط ‎ ‏الأمراء لاسيما أعمر بن القاضي، إلى ظهور حركة انفصالية في بعض جهات من بلاد الزواوة، ابتداء من العقد الثاني من القرن السابع عشر. وكان وراء هذه الحركة شيوخ الزوايا الذين كانوا يحاولون الاستقلال عن نفوذ أمراء كوكو. علما أن كلا النظامين (الزوايا والإمارة) ‏قائمان على ما يدفعه السكان في شكل ضرائب وعوائد. وما دام السكان كانو يدفعون الضرائب للإمارة، التي تمثل السلطة السياسية أو الزمنية، فلم يبق لهم ما يدفعونه للزوايا. 
وكانت مسألة الضرائب مصدر التنافس بين الأمراء وشيوخ الزوايا، مما أدى إلى توتر العلاقات بين الطرفين. وقد حاول شيوخ الزوايا استغلال كل الفرص المتاحة لهم لتأليب السكان ضد الأمراء قصد الانفصال والابتعاد عن دائرة تأثيرهم. وما يشير بوضوح إلى العلاقة الموجودة بين أمراء كوكو وشيوخ الزوايا ذلك ‎الذي وقع بين الشيخ سيدي منصور الجنادي و الأمير أعمر بن القاضي، فقد نقلت لنا إحدى وثائق تلك الفترة تفاصيل تلك الحادثة، ومما جاء فيها : 《 والسلطان في ذلك الوقت هو المسمى بسيدي أعمر بن القاضي وهو يحكم في بلاد الزواوة كلها، وكان حكمه قاهرا جدا. ومن عادة هذا السلطان أن يحمل البغال والحمير من عرشنا في وقت الصيف لنقل زرعه والخدمة عليها، فيعطل على الناس أشغالهم دائما. ومن عادته أن يأتى هو وجنوده إلى سوقنا المسمى بسوق الخميس في ذلك الوقت، والآن يسمى بالأحد، فيلزم العرش بالضيافة تصل إليه في ذلك المحل مع العلف الكثير لخيل جيشه. وفي بعض الأيام جاء ذلك السلطان إلى السوق المعلوم، فأراد الناس من العرش أن يذهبوا إليه بالضيافة كالعادة، فقال لهم سيدي منصور لا تذهبوا إليه بل يأتي هو إلى هنا، فامتثلوا لقوله. فلما يئس السلطان من قدومهم تعجب من ذلك الفعل وصار يسأل عن السبب الذي منعهم من الضيافة المعتادة، فقيل إن سيدي منصور هو الذي أمرهم بالامتناع》.

 نستخلص من محتوى الوثيقة المذكورة بعض الحقائق التاريخية منها:
 - أن منطقة آث جناد كانت خاضعة لسلطة أمراء كوكو في مطلع القرن السابع عشر.
 - أن الضريبة التي كان يدفعها سكان آث جناد كانت تعرف بالضيافة التي تتمثل في المنتجات الزراعية والعلف، كما أنهم كانوا يضعون حيواناتهم تحت تصرف الأمير. وإذا عرفنا الإمكانات الاقتصادية المتواضعة لسكان آث جناد، يمكن أن نجد تفسيرا لسبب انتفاضهم ضد سلطة الإمارة.
 - أن الوثيقة تبين جليا دور شيوخ الزوايا وتأثيرهم في المجتمع الزواوي، فقد تمكن الشيخ سيدي منصور من تحرير السكان من السيطرة التي فرضها عليهم أمراء كوكو، واستطاعوا في نفس الوقت من تخطي حاجز الخوف الذي خيم عليهم أزيد من قرن.
- إن السلطة الروحية في بلاد زواوة أصبحث تنافس السلطة الزمنية، فقد لعبت القوى الدينية في بلاد زواوة دورا مهما خلال الفترات التي كانت فيها المنطقة تمر بفراغ سياسي.

  يعد الصراع الذي نشب بين أمراء كوكو والقوى الدينية المحلية في بداية القرن السابع عشر، من الأسباب التي كانت وراء ضعف مركز الإمارة وتقلص رقعتها الجغرافية في بلاد زواوة نفسها. وقد ترتب على هذا الوضع انضمام بعض القبائل إلى الإدارة العثمانية ، كما هو الشأن بالنسبة لمعظم القبائل الواقعة في حوض سيباو ويسر. والدافع إلى ذلك ‏هو أن موقعها الجغرافي لم يكن يسمح لها بالصمود أمام الحملات العسكرية العثمانية لسهولة ‎عملية الاتصالات، وأيضا لكونه قريبا من مدينة الجزائر مركز السلطة العثمانية، كما أنه توجد به أبراج ترابط بها الحاميات العسكرية . وعلاوة على ذلك، فإن العثمانيين عمروا تلك المناطق السهلية بعناصر خارجية ، كما قام القائد علي خوجة في حدود عام 1720 ، بإنشاء سوقين في منطقة بغلية، التي أصبحت تعرف بالسبت علي خوجة، وسوق وادي الدفالي. وكان يتوسط السوقين برج سيباو. و قد توصل العثمانيون بهذه الإجراءات من السيطرة على كل أجزاء حوض سيباو السفلي. 

أما القبائل الجبلية، فإن موقعها المنيع ‎جعلها تلتف حول شيوخها، و تحتفظ باستقلالها النسبي، فلم تعد تعترف بأمراء كوكو ولا بالإدارة العثمانية.

النظام القبلي :


 تفتقر بلاد الزواوة إلى سلطة مركزية، فالنظام القائم مند أقدم العصور ‎هو ما يعرف بتجماعث، و هو عبارة عن مجلس يضم كل أفراد القبيلة البالغين، ومن مهامه عقد جلسات دورية يتخذ فيها الأعضاء القرارات الضرورية لتنظيم شؤون السكان. وغالبا ما كان هذا النظام عائقا أمام إرادة أمراء كوكو الرامية إلى توحيد كل أعراش ‎بلاد الزواوة تحت سلطتهم. فهناك بعض الأعراش التي فضلت سلطة مجالسها عن خضوعها لإدارة الإمارة. وقد استفحلت هذه الظاهرة في فترة ضعف الإمارة، إذ لاحظنا أن العديد من القبائل والأعراش قد خرجت عن طاعة أمراء كوكو، فلم تعد تدفع ما عليها من الضرائب. و لا شك أن هذا الإجراء تسبب في انخفاض موارد الإمارة المالية، و هذا ما جعلها عاجزة عن تجنيد الجيوش وتجهيزها بالأسلحة الضرورية لمواجهة الأخطار الخارجية، والدفاع عن رقعتها الجغرافية محليا. وقد رأينا أن عدة مناطق ضاعت منها في مرحلة ضعفها لصالح العثمانيين والقوى المحلية المنافسة لها.

 الصراع بين الإمارتين (كوكو وبني عباس) :


 لقد سعى أمراء كوكو منذ تأسيس إمارتهم إلى إخضاع إمارة بني عباس المجاورة لهم لسلطتهم. ولهذه الأسباب توترت العلاقات بينهما عبر المراحل التاريخية المختلفة. وقد اشتد الصراع بين الإمارتين لما ظهرت أطراف خارجية في المنطقة في مطلع القرن السادس عشر، المتمثلة في الإسبان والعثمانيين ، الذين ‎أصبحوا يتدخلون في شؤون الإمارتين. فقد حدث أن تحالف أمراء الإمارتين مع العثمانيين مطلع القرن السادس عشر، قصد مواجهة الخطر الإسباني، الذي أضحى يهدد الخطر الإسباني الذي أضحى يهدد المدن الجزائرية الساحلية.
إلا أن ذلك التحالف ما لبث أن تلاشى، بعد أن ظهرت الخلافات بين خير الدين وابن القاضي، والتي انتهت بمقتل ابن القاضي في معركة فاصلة جمعت الطرفين في عام 1527م ببني عائشة. وقد تمكن ‎خير الدين خلال الحرب المذكورة من استمالة أمراء آث عباس إلى صفه، و هذا ما دفع أمراء كوكو إلى التقرب من الإسبان في فترة صراعهم مع العثمانيين. ‏ وقد عرفت العلاقات بين العثمانيين وأمراء ‎كوكو تطورا في النصف الثاني من القرن السادس عشر، إذ قام حسن بن خير الدين، بايلرباي الجزائر وعلج على، بمصاهرة أسرة ابن القاضي.
 وتعززت ‎العلاقات ‏بين آل القاضي والعثمانيين في القرن السابع عشر، إذ استعان بعض أمراء كوكو بالعثمانيين ضد خصومهم من نفس العائلة. و يعد ذلك التقارب الذي وقع بين العثمانيين وأمراءكوكو تحالفا استراتيجيا فرضته ظروف تلك المرحلة، لاسيما أن العثمانيين قد دخلوا في حرب مزمنة ضد أمراء بني ‎عباس.
 ومهما كانت طبيعة العلاقات بين الإمارتين، فإن المستفيد الأول من الصراع القائم ‎بينهما هم العثمانيون، الذين عرفوا كيف يحافظون عن طريق سياسة الصفوف المتبعة، على التوازن في بلاد الزواوة، والإحالة دون تحقيق الوحدة بين الإمارتين، وتشكيل قوة محلية قادرة على ترجيح الكفة لصالحها على حساب العثمانيين. 

خاتمة: 


تلك هي العوامل التي ساهمت في ضعف إمارة كوكو وانهيارها في النصف الثاني ‎من القران الثامن عشر، و التي حالت دون تمكن أمراء كوك أزيد من قرنين من الحكم، من وضع نواة لدولة محلية قادرة على أخذ مكان العثمانيين. ولفهم بشكل أوسع أسباب فشل الإمارة في تحقيق أهدافها، لا بد من دراسة السياسة التي اتبعها العثمانيون قي بلاد زواوة خلال فترة حكمهم في الجزائر .
( وهذا ما سنورده في مقال مستقل ). 

#المراجع:


- احمد ساحي: الزواوة من القرن ١٦ حتى ١٨ ، عهد الإمارة ١٥١٢-١٧٦٧، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر ١٩٩٩.

- H. Aucapitaine: " notices sur l'histoire et l'administration du Beylik de Titeri" , R.A.N° 9, Alger 1865, p.281.
- BOULIFA : Le Djurdjura a travers I’histoire, de I’antiquité a la période coloniale, Bérti éditions, Alger 5.0. P.6. 15 - 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق