السبت، 22 يناير 2022

معركة تحرير بجاية من الغزو الإسباني




 معركة تحرير بجاية من الغزو الإسباني (سبتمبر 1555م)


تعتبر بجاية قاعدة بلاد زواوة التاريخية، و عاصمة الحماديين الأمازيغ و العاصمة الغربية لدولة الحفصيين و هي من أكبر الثغور البحرية في المغرب الأوسط، عرفت كمدينة العلوم و التجارة الدولية في القرون الوسطى.


سقطت هذه المدينة العظيمة في أيدي الإسبان بعدما استولى عليها بيدرو نافارو سنة 1510م

و دمر مساجدها و قصورها وأهم قصر تم تدميره قصر لؤلؤة الذي وصفه ابن خلدون كواحد من عجائب الفن المعماري في زمانه.

و حطم صومعة قصر المنار و قام بسرقة كنوز المدينة و حملها على 30 سفينة نحو إسبانيا، غير أن أغلبها غرق في البحر إثر عاصفة هوجاء.


حاول أحمد اولقاضي حاكم إمارة كوكو في جرجرة سنة 1512م استعادة المدينة على رأس جيش قوامه 20 ألف مقاتل بمساعدة الإخوة بربروس لكنه فشل في ذلك ثم أعاد الكرة عام 1515م و لكنه فشل للمرة الثانية.


إعلان النفير العام في زواوة لتحرير بجاية :


وجب الإنتظار إلى غاية سنة 1555م حيث عزم الأمير الحسين بن القاضي رفقة حاكم الجزائر التركي صالح ريس على الإنتهاء من أمر الإسبان في بجاية و استرجاع المدينة، فتحالف الإثنان و نادى حاكم جرجرة بالجهاد و النفير العام لحشد الجيوش، و أرسل رسله نحو جميع عروش زواوة الذين استجابوا للنداء بقوة، و اجتمع المتطوعون من كل حدب و صوب مشكلين أكثر من 30 ألف مقاتل و هو أكبر جيش محارب في الجزائر خلال الفترة العثمانية.


حصار مدينة بجاية و بداية المعركة :


حاصر جيش زواوة مدينة بجاية منذ صيف عام 1555م ، بينما اجتمعت سفن صالح رايس التي كانت قليلة حوالي 5 قطع فقط لأن أغلب أسطول الجزائر كان منهمكا في حرب كورسيكا. و قد حملت سفن صالح ريس حوالي 12 مدفعية نصب بعضها في أعالي بجاية بمساعدة زواوة بينما حاصرت سفن الرايس صالح خليج بجاية.

و في يوم 15 سبتمبر أعطي الأمر بالهجوم النهائي، فانطلقت جميع المدافع تدك أسوار المدينة بينما هاجم جيش زواوة حصونها محاولين اقتحام المدينة، حتى تمّ نجحوا في تدمير برج موسى ثم برج عبد القادر، و اقتحم الجيش المدينة و حدثت مقتلة عظيمة حيث دامت الإشتباكات المباشرة أسبوعين حتى اظطر القائد الإسباني Don Louis De Perala إلى الإستسلام يوم 27 سبتمبر و معه 120 من جنده، و تم ترحيلهم إلى إسبانيا بعد ذلك و لكن بمجرد.وصولهم إلى اسبانيا قرر الملك الإسباني قطع رأس دون لويس بعدما اتهمه بالجبن و التقصير في الدفاع عن بجاية.


أما مدينة بجاية التي كانت من المفروض أن تعود إلى أمير كوكو لكونها تقع في إقليمه و لكون جيشه هو الفاعل الرئيسي في تحريرها، لكن صالح رايس استولى على المدينة و رحل منها تاركا 400 من الجنود الأتراك كحامية في المدينة التي دُمّرت و أصبحت مثل جثة محطمة كليّاً تعج بالموتى و الركام و لم يبقى من تاريخها العريق سوى الإسم و الذكريات...


المراجع:


- Le Djurdjura à travers l'histoire de Si Ammar Boulifa

- Histoire des villes de la province de Constantine Bougie de Charles Féraud

- Histoire d'Alger, de Grammont .




الجمعة، 21 يناير 2022

الإحتفال بينّاير في الأندلس

 



الإحتفال بينّاير في الأندلس :


الإحتفال برأس السنة الأمازيغية في الأندلس كان مناسبة و تقليدا متعارفا عليه في فترة الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية ، و هو من نتائج كون الأندلس وقتها عامرة بالأمازيغ الذين نشرو فيها ثقافتهم و أعيادهم. 

و من الأدلة على انتشار الإحتفال برأس السنة الأمازيغية في الأندلس ما ذكره أبو بكر الطرطوشي المالكي الذي عاصر فترة الدولة المرابطية و توفي سنة 1126م في كتابه "الحوادث والبدع" ص 150 :


"... وكذلك على إقامة (ينير) بابتياع الفواكه كالعجم، وإقامة العنصرة، وخميس إبريل، بشراء المجبنات والإسفنج ، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعا أو أشتاتا مع النساء مختلطين للتفرج ..."


من مظاهر الإحتفال بيناير في الأندلس :


جاء في بعض أشعار ابن قزمان الذي عاصر الدولة المرابطية من أمازيغ إيزنّاڨن (زناتة) في الأندلس، حيث عاش بين 1078م و 1160م أن اليناير أو الينّير كما ذكره كان مناسبة للبهجة و السرور ، و يتم فيه تحضير مختلف الحلويات بأشكال جميلة مثلما هو متوارث في شمال افريقيا إلى اليوم، حيث جاء في ديوان شعر ابن قزمان زجل 72 مايلي :


الحلونْ يُعجنْ  ***  و الغزلان تباعْ

يفرحْ "للينّيرْ "  ***  من ماع قطاعْ

لق ذا النصباتْ ***  أشكالاً ملاحْ

و فيه بالله  ***  للعين انشراحْ


العرب في الأندلس لا يعرفون و لا يحتفلون بيناير :




منذ ما يقارب ألف سنة كان ينّاير أو الينّير من المناسبات المتعارفة  في الأندلس على غرار شمال إفريقيا، و كان احتفالاً عاما يجتمع عليه الأندلسييون حيث يطبخون في ليلته مختلف الحلوى و الأطعمة و كانو يصنعون تماثيل و نماذج لمدن صغيرة مسوّرة تسمى "مدائن يناير" تباع للأطفال، و تماثيل من السكر و الفواكه و المكسرات تسمّى النصبات.


لكن حسب ابن بشكوال أبي القاسم الذي عاصر دولة الموحدين في الأندلس من أمازيغ زناتة و مصمودة ، حيث عاش بين 1101 م و 1183 م، قال في كتابه "الصلة" الجزء الأول صفحة 32: 

أن عرب بني هلال في الأندلس كانو يمتنعون عن الإحتفال بعيد يناير على خلاف باقي أهالي البلاد الأندلسية لكونها ليست من عاداتهم ، و هذا دليل على أن المناطق التي بقيت تحتفل اليوم بهذه المناسبة في الجزائر و في شمال إفريقيا ما هي سوى مناطق بربرية أمازيغية أصيلة أو أمازيغية معرّبة اللسان مثل معرّبي الغرب الجزائري الذي ينتمي لزناتة الأمازيغية  في الأصل.

 و لو كان هؤلاء فعلاً من العرب كما يزعمون الآن بانتسابهم لغير أجدادهم لامتنع أسلافهم عن إحياء اليناير و لما وصل إليهم عرفه. 



الأربعاء، 12 يناير 2022

الإحتفال ب ينّار ( ناير ) عند بني مزاب : روح الأصالة

 




الإحتفال ب ينّار ( ناير ) عند بني مزاب ... روح الأصالة


التعريف بمنطقة بني مزاب :

يعتبر إغزر ن مزاب ( واد مزاب ) إحدى المناطق العريقة في الجزائر ، يقع شمال الصحراء شمال ولاية غرداية حاليا قريبا من الحدود الإدارية لولايات لغواط، الجلفة و ورڨلة.  تتكون المنطقة من 7 قصور تاريخية :


- تاغردايت = غرداية


- تاجنينت = العطف


- أت إيزڤن = بني يزڨن


- أت مليشت = مليكة


- أت بونور = بونورة


- برڨان = بريّان


- تاڨرارت (زڨرار/ زڨرير/ اڨرارن) = الڨرارة


سكن الأمازيغ منطقة اغزر ن مزاب منذ آلاف السنين ، مخلفين العديد من الآثار والنقوش و القصور العتيقة.

اشتهرت المنطقة أكثر بعدما أسّس الإباضيون الذي يقال أنهم نزحوا من منطقة تيهرت ( تيارت ) عاصمة الدولة الرستمية ، والذين يقال أنّهم استقروا أولا بمنطقة إسدراتن ( سدراتة ) قرب ورڨلة، و أنشأوا أولى قصورها السبعة وهو قصر تاجنينت أو أت تادنيت ( العطف) سنة 1012 م ، مستغلين مياه واد مزاب وخصوبة التربة للإستقرار بالمنطقة و إنشاء واحات وحدائق رائعة.


عرفت المنطقة ازدهارا كبيرا بفضل نشاط التجارة ، وفرة المنتوجات الفلاحية وتماسك المجتمع الميزابي الذي حافظ على بنيته، إسلامه، لغته الأمازيغية، وعلى عادات وتقاليد الأجداد الرائعة التي ترعاها هيئة إعزّابن ( العزابة ) المكونة من أعيان وشيوخ المنطقة، وأصبحت قصور غرداية من أجمل مناطق الجزائر ، وهي حاليا مصنفة كتراث عالمي لليونيسكو.


إحتفال آث مزاب ب يناير :



يحتفل سكّان وادي مزاب تقليديا برأس السنة الأمازيغية يوم 7 جانفي، أسبوعا قبل إخوتهم في الشمال، مثلهم مثل الطوارق و عدّة مناطق صحراوية أخرى، لأن سكان الصحراء يعتبرون يوم 7 جانفي ( ينّار ) آخر أجل لموسم جني التمور (ناير دائما مرتبط بالأرض) ، بعد نّاير يبدأ سكان المنطقة عمليات صيانة بساتين النخيل و قنوات الري (السواقي) في واحات المنطقة.


الإحتفال يوم 7 جانفي كانت عادة تقليدية تميز السكان الأمازيغ عامة :

فاحتفالات ناير كانت تدوم في القديم سبعة أيام و سبع ليال. نجد ذكر ذلك في روايات كبار السن في مليانةو جبال الظهرة، في المدية وتيطري ، في لوراس ، و جبال تلمسان و آث سنوس.


يسمى نّاير باللهجة المزابية "ينَّار" ، تماما مثل الشاوية و سكان الشمال القسنطيني (عنابة ، سكيكدة، جيجل، ميلة، ڨالمة ... ).


يعتبر هذا اليوم بالنسبة لأهلنا في مزاب مرجعا مهمّا في السنة الفلاحية ، ومن تقاليدهم في الاحتفال بهذه المناسبة صنع أطباق تقليدية منها :


 ◼ أوتشو ( أوشّو ) : 


أي الكسكس سلمرڨت تازڨاعت ( الكسكس بمرق أحمر ) ، يضعون فيه الخضار الجافة و الموسمية ، كلمة أوتشو (تنطق أوتشي في بعض المناطق) تعني بالأمازيغية الطعام ، من الفعل الأمازيغي َيتشا : أَكَل 

 من تقاليد المنطقة التي نجدها خاصة في مدينة لغواط ( نسبة لقبيلة لغواط الأمازيغية ) ، وضع حبة فول جافة في المرق ، مثلما توضع نواة تمر في مناطق أخرى ، من يجدها في صحنه يتفاءل بسنة مباركة وافرة الخيرات .


أرْفيس : 



يشبه تماما أرفيس المعروف في شمال الجزائر و الأطلس البليدي وجبال الظهرة ، يقدم حلوا بالعسل و الزبدة تفاؤلا بعام حلو وسعيد ، ويزين عادة بحبات البيض، رمز الميلاد الجديد و الخير والبركة في ثقافتنا


لكل أهلنا المزابيين نقول أسڨاس ذامبارش "عام مبارك" ، تحيّة لكل إخوتنا المزابيين الأعزّاء في كل مكان، و دتم دائما قلعة من قلاع الأمازيغية و الأصالة.

#يناير



 

الثلاثاء، 11 يناير 2022

عادات أمازيغية جزائرية في ينّاير

 



عادات أمازيغية جزائرية في ينّاير


إيمنسي ن يَنّاير : سكسو ن سبعا إيسوفار :




إيمنسي ن يناير هو عشاء رأس السنة الأمازيغية (إيخف ن اوسڨّاس) ، و الطبق الأكثر تميزاً في هذه المناسبة هو سكسو ن سبعا إيسوفار (أي : كسكسي بالخضار السبعة أو سكسو بالحبوب السبعة) و هو عشاء خاص يحضّر فقط بهذه المناسبة و يتمثل في الكسكسي و الدجاج،

 حيث تقتضي العادة ذبح ديك ليلة الإحتفال برأس السنة الفلاحية و يجب أن يحتوي هذا الطبق على سبعة حبوب جافة تمثّل المحاصيل الزراعية قد تختلف هذه الحبوب نسبيا من منطقة لأخرى و لكن عادة ما تتمثل في القمح ، الشعير، الفاصولياء الصغيرة، الحمّص، البازلاء (الجلبانة) ، و الفول الجاف المكسر (آفيصار) و العدس و يضاف له البصل و الطماطم .



و هناك من يستبدل الحبوب الجافة بالخضر كالجزر و اللفت و القرعة ... و البعض يضيف اللحم المجفف بدل لحم الديك . و يكون الكسكسي مدهونا عادة بزيت الزيتون و يقدم في العشاء ليلة الإحتفال برأس السنة الأمازيغية يعني ليلة 11 إلى 12، أو ليلة 12 إلى 13 من جانفي حسب المناطق، أما في الآونة الأخيرة صار يقدم أيضا في غذاء يوم يناير. هذا الطبق معروف في العديد من المناطق مثل منطقة القبائل و الشاوية و الأطلس البليدي و كذلك أمازيغ الظهرة و غيرها.


عادات تقام للأطفال في يناير :



" الأطفال مثل الأشجار ، كلما قصصت منه الأجزاء الفاسدة كلما نما بسرعة و بقوة " 

كون الشعب الأمازيغي معروف باستخدام الرمزية في حياتهم اليومية، و لتشبيه الأطفال بالأشجار  يقوم الأولياء في يناير بقص شعر أولادهم بنية نزع ماهو متعلق بالقديم الفاسد و التفاؤل بنمو جيد و صحي للطفل

  


و هناك عادة رمزية أخرى خاصة بالأطفال الذين بلغوا عاما عند دخول يناير ، و هي وضع الطفل في قصعة خشبية التي يعد فيها الطعام ، ثم يصب حوله كل أنواع المكسرات و الحلويات تفاؤلا بأن تكون حياته مليئة بالخير و البركة.


قصة المعزة و سلف يناير (أرطّال ن تاغاط) :


من أشهر القصص التي تروى للأطفال في ليلة يناير  قصة المعزة مع يناير :


لما قارب شهر يناير على الانتهاء و ذهبت معه عواصفه و ذابت ثلوجه ، أطلت معزة من بيتها لترى الشمس و الدفء و الإخضرار في الحقول ، وبدلا من أن تشكر على نجاتها من الصقيع و تحذر ، استهانت بقوى يناير فاغترت بنفسها وخرجت إلى الحقول وهي تتراقص وتتشفى في شهر يِناير وتخاطبه : يا عمي يناير، ماذا فعلت طيلة هذا الوقت؟ 

 فغضب يناير ولكن لم يجبها بالقول، بل طلب من فورار (فيفري ) أن يقرضه يوما حتى يعاقب المعزة على جحودها وجرأتها قائلا:  نسلّف نهار من عندك يا فورار ونخلي قرون المعزة يلعبو بهم الصغار في الدوار .. فوافق فورار ، ومن هنا جاء تناقص أيام فورار (فيفري ) وإضافة يوم إلى يناير (31 يوما)

و في يوم 31 تقلب الجو و قام يناير بإثارة عواصفه وزوابعه وثلوجه حتى تجمدت المعزة و لقيت مصرعها ... 

و الحكمة من تعليم الصغار هذه القصة الرمزية هو احترام الطبيعة و عدم الاستهانة بقواها مهما بلغت قوة البشر 

وإلى يومنا هذا يستحضر بعض الفلاحين في البوادي يوم سلف المعزة ويعتبرون يومها يوم حيطة وحذر، مخافة عاصفة شديدة.

أسڨاس أمڨاز للجميع.


الاثنين، 10 يناير 2022

التقويم الأمازيغي: أصالته و أساسه التاريخي

 



أصالة التقويم الأمازيغي و أساسه التاريخي 


سنتحدث في هذا المقال عن حقيقة كون التقويم الأمازيغي تقويم أصيل و عريق و يستند إلى أساس تاريخي متين. و أن هذا التقويم ليس تقويما سنويا فحسب، بل هو أيضا تقويم شهري وموسمي ورمزي.


التقويم الأمازيغي الشهري :


يعتقد العديد من الأشخاص (بعضهم من الحركة الأمازيغية نفسها!) عن خطإ،  أن التقويم الأمازيغي الشهري يعتمد على نفس التقويم الجورجي الذي يتكون من 12 شهرا أولها يناير (إنّاير) وآخرها ديسمبر مع فرق 13 يوما في الحساب و هذا غير صحيح. 

مكتشف التقويم الأمازيغي القديم هو العالم والمترجم الهولندي "بوڭرت نوكو ڤان دين" ومؤلف (1997 ”Berber Literary Traditions of the Sous“) الذي جمع معطيات هذا التقويم من تراث التوارڨ و وثائق أخرى. وفيما يلي أسماء الشهور الأمازيغية القديمة مع معانيها ومقابلاتها في النظام الجورجي:


1ــ ثايّورت ثازوارت (القمر الأول أو الصغير) = يناير


2ــ ثايّورت ثاڨوارت (القمر التالي أو الكبير) = فبراير


3ــ ياردوت (معناها مجهول) = مارس


4ــ سينوا (معناها مجهول) = أفريل


5ــ ثاسرا ثازوارت (القطيع الأول أو الصغير) = ماي


6ــ ثاسرا ثاڨوّارت (القطيع الثاني أو الكبير) = جوان


7ــ أودياغت إزوارن (الأيائل الأولى أو الصغيرة) = يوليوز


8ــ أودياغت يڭّوارن (الأيائل الثانية أو الكبيرة) = أوت


9ــ أوزيمت إزوارن (الغزلان الأولى أو الصغيرة) = سبتمبر


10ــ أوزيمت يڨّوارن (الغزلان الأخيرة أو الكبيرة) = نوفمبر


11ــ أيسي (المعنى غير معروف)


12ــ نيم ( تحتمل معنيان : من "أونّيم" التي تعنى "العادة" أو "نيملوت" وهو إسم والد الملك الأمازيغي شيشنق الذي اعتلى عرش الدولة الكيمتية ال 22).


التقويم الفلاحي الأمازيغي الموسمي :




لا ينبني التقويم الأمازيغي القديم على الأشهر فقط بل على المواسم الفلاحية أيضا (جينيڤوا chapter "Llyali et Ssmaym" in Genevois (1975, pp. 21-22) . 

وتسمى هذه المواسم ب "أبواب السنة" (ثيڨّورا ن أوسقّاس، لاحظ التشابه بين كلمة "ثاقّورت التي تعني الباب و "أڨّور: القمر" ) ،

لأن قدماء الأمازيغ كانوا يسخدمون رمزية السنة كمدينة كبيرة لها أربعة أبواب وهي:


1ــ تافسوت : يقابلها فصل الربيع الذي يبدأ في هذا التقويم في 28 إبرير (فبراير بالأمازيغية).


2ــ أنبدو :  يقابلها فصل الصيف الذي يبدأ في هذا التقويم في يوم 17 ماي الأمازيغي.


3ــ أمنوان (في جبل نفوسة) أو أمنوال (في ثاقبايليث) : يقابلها فصل الخريف الذي يبدأ في هذا التقويم في 30 أوت الأمازيغي.


4ــ ثاڨرسث : يقابلها فصل الشتاء الذي يبدأ في هذا التقويم في 29 نوفمبر (نومبير) الأمازيغي.


التقويم الرمزي :



ترتبط الرمزية الأمازيغية بثلاثة عناصر في الطبيعة الفلاحية لشمال إفريقيا وهي : الحر الشديد والبرد الشديد و الحرث. لذلك رصدت هذه الثقافة ثلاثة مواسم خلال السنة يربط بها الإنسان الأمازيغي نفسه بالأرض، وهي:


1ــ إيمباكين أو لخْصوم : وهي أيام كان الأمازيغ يتخوفون منها ويتوجسون مما قد يحصل لهم فيها من شر، ربما بسبب موجات البرد الشديدة التي تضرب البلاد عادة في هذا التوقيت من السنة. عدد أيام إمباركين عشرة وهي تغطي الأيام الخمس الأخيرة من فورار (فبراير الأمازيغي) والأيام الخمس الأولى في مارس الأمازيغي.


2ــ  الصمايم أو أووسّو: ما يزال اسم أوسّو مستعملا في تونس وليبيا وهي الأيام المعروفة عندنا ب"الصمايم". يتميز هذا الموسم بكونه شديد الحرارة، يتكون من 40 يوما تمتد من من 12 جويلية (25 جويلية في التقويم الجورجي) إلى 20 شتمبر (2 سبتمبر) . ترتبط هذه الأيام بعادات وتقاليد لا زالت منتشرة في تونس على الخصوص، كالإستشفاء بالغطس في الماء لمدة ثلاثة أيام.


3ــ إيوجّابين : وهي أيام الحرث أعظمها 17 أكتوبر الأمازيغي الذي كان الأمازيغ يعتقدون أن أول إنسان بدأ الحرث في هذا اليوم، لذلك فإن كثيرا من متكلمي عامّيات شمال إفريقيا يسمونه "حرثادم" (حرث آدم).


التقويم الأمازيغي السنوي :



الأمازيغ الذين احتفظوا بالتقويم السنوي الأمازيغي إلى اليوم هم التوارڨ. وهذا التقويم لا هو بالشمسي (كالنظام الجورجي) ولا بالقمري كالتقويمَين الهجري والعبري. بل هو تقويم يعتمد على ظهور كوكبة برج الدّب في السماء

 bear constellation

 


إلا أن التوارڨ أنفسهم لم يستخدموا الأرقام لرصد السنوات في تقويمهم هذا، بل اعتمدوا على تسمية كل سنة باسم مرتبط بحدث ما (كما يفعل سكان البلدان المغاربية إلى يومنا هذا عندما يتحدثون مثلا  عن "عام البون" و"عام الجوع" وغير ذلك من التسميات التي تذكر الجماعة بحدث معين ذو مغزى ما).


والتقويم الذي نعتمده اليوم رسميا (الذي يوافق في السنة الحالية 2022- 2972 ) ، مرتبط بحدث مهم كان أول من اكتشفه دون أن ينتبه لقيمته التاريخية هو نفسه مفكك شيفرة الرموز الهيلوغريفية جان فرانسوا شامبنيون عندما زار مدينة الكرنك سنة 1828، عندما اكتشف لوحة في بوابة بوباست الموجودة في الجهة الجنوبية الشرقية لمعبد رامسيس الثالث. كل ما استطاع أن يفهمه هذا العالم الكبير هو أن هذه اللوحة تتضمن صورة لملك اسمه شوشنق استطاع أن يعتلي عرش الحكم المصري واحتل مملكة يهوذا. فاستنتج أن هذا الملك هو نفسه شوشنق الذي تتحدث عنه التوراة في سفر الملوك الأول الإصحاح 14، التي ذكرته بالإسم وسجلت غزوه ليهوذا واستيلاءه على كنوز الهيكل.


إلا أن العالم الذي استطاع أن يكتشف الصورة الكاملة لتاريخ شيشنق هو عالم المصريات السكوتلاندي كينيث كيتشن الذي كان يشتغل أستاذا لهذا العلم في جامعة ليفربول البريطانية وألف أكثر من 250 كتابا في هذا الموضوع حتى سمته مجلة "تايمز" ذات يوم ب"مهندس الكرونولوجيا المصرية".


اكتشف كيتشن أن نص بوابة بوباست الذي سبق لشامبينيون أن تحدث عنه و وثائق أخرى تكشف عن عناصر أخرى مهمة. أولها أن شيشنق اعتلى عرش مصر سنة 945 قبل الميلاد ودام حكمه حتى سنة 924 قبل الميلاد .

 وأن شيشنق هو ابن القائد الليبي الأمازيغي نيملوت ، وأن الأمازيغ كانوا يسمون عند المصريين ب"ماشاوتش" ، و التي كان ينطقها متكلمو اللاتينية "ماسيكس" وهي تَليِين ل"مازيغ" فهُمِست الزاي سينا وقُلبت الغين كافا و هذا النوع من التقليب معروف عند تغير لغة إلى أخرى. 

من بين ما اكتشفه كيتشن أيضا أن ششنق لم يعتل العرش المصري فقط، بل أسس دولة جديدة تماما (الدولة 22)، فقام بتعيين ابنه إيوبوت كاهنا وابنه نيملوت (الذي سماه على اسم جده) قائدا عسكريا في وسط مصر. تخبرنا الوثائق أيضا أن حكم ششنق امتد إلى الشام سوريا ولبنان عبر كنعان وفلسطين موحدا هذه الأقاليم لأول مرة.


لهذا فإن اتخاذ اعتلاء شاشنق عرش مصر بداية للتقويم الأمازيغي ينسجم مع عادة التوارڨ في تسمية السنوات بحدث تاريخي مهم . وفيه تذكير بأمجاد التاريخ الأمازيغي وانتصاراته التي امتدت إلى أبعد من شمال إفريقيا.


من هنا نستخلص بأن التقويم الأمازيغي منسجم وأصيل ومبني على أساس تاريخي قوي.


منقول عن الدكتور عبد الله الحلوي بتصرف



السبت، 8 يناير 2022

الوجود الليبي الأمازيغي في الحضارة المصرية

 




 الوجود الليبي الأمازيغي في الحضارة المصرية  


مقدمة : 

هناك مثل شعبي ليبي شائع قديم يقول : " تحساب روحك على راسك ريشة ؟ "

يقال هذا المثل للشخص الذي يظن نفسه أعلى و أفضل من الآخرين و متميزا عن الناس.

أصل هذا المثل يرجع للقبائل الليبية الأمازيغية القديمة، التي تظهرها بعض الرسومات الفرعونية على الآثار و الأضرحة، أن زعماء القبائل الليبية كانوا يضعون ريشة على رؤوسهم ليتميزوا بها عن بقية الأعراق الموجودة قديما، و هذه النقوش تعود لقبائل أمازيغ الليبو التي سكنت أراضي شرق ليبيا ودلتا النيل في الشمال و اشتق اسم "ليبيا" من هذه القبيلة، و تمتد هذه القبائل إلى غاية المحيط الأطلسي و جزر الكناري.

و دخلت في حروب عديدة مع المملكة الفرعونية انتهت بسيطرة الملك الامازيغي شيشناق على الحكم في ايجبتوس.


الليبيون سكان شمال  إفريقيا :


الليبيون أو الأمازيغ بالتسمية المعروفة حاليا هم القبائل المنتشرة من نهر النيل شرقا الى غاية المحيط الاطلسي غربا كما ذكره المؤرخ هيرودوت 500 ق م.

و أهم ما ذكره المؤرخ هيرودوت 500 سنة قبل الميلاد أن شمال إفريقيا (أو ليبيا كما سماها) فيها شعبين أصيلين هما :

الليبيين "الأمازيغ" ويسكنون الشمال من قارة ليبيا (إفريقيا)

الأثيوبيين "الزنوج" ويسكنون الجنوب من قارة ليبيا (إفريقيا)






وذكر أيضا أن في بلاد ليبيا يوجد ساكنة أقلية من الإغريق واليونان في بعض المناطق وقال عنهم بأنهم ليسوا أصليين

وهذه الشهادة هي أحسن إثبات و رد لمن يدعي بأن الأمازيغ أو الليبيين كما يسميهم المؤرخ هيرودوت لهم علاقة مع الفينيقيين.

مصطلح "ليبي" كصفة لسكان شمال غرب إفريقيا كان معروفا و متداولا إلى ما بعد ميلاد المسيح و يلقب به أهالي منطقة الشرق الجزائري. وتوجد رسالة من القرن الثاني بعد الميلاد تعود إلى  القنصل الروماني الليبي الأصل من قسنطينة الجزائر حاليا و المسمى فرونطو 

( Marcus Cornelius Fronto )

ولد في 100 بعد الميلاد و توفى في 160، هذا الليبي القسنطيني و هو والي و قنصل تابع لروما و أستاذ للامبراطور ماركوس أوريليوس كتب إلى أم هذا الأخير رسالة ذكر فيها أنه "ليبي" من النوميد، وهذا يدل على أن صفة الليبو هي قومية تشمل كل شمال افريقيا و كل قبائل الأمازيغ عامة.

الرسالة اسمها :

Fronto à Domitia Lucilla

(Eng: To the mother of Caesar)


الليبيون سكان منطقة النيل في عصر ماقبل الأسرات :

ما يكاد يجمع عليه المؤرخون هو أن هناك تفاعلا وتشابها في التقاليد والعادات واللغة... الخ بين المصريين القدماء خاصة الأقباط والأمازيغ، 

وأن هذا التشابه نابع من التفاعل الذي كان قائما بين الحضارتين منذ فجر البشرية، فهو ليس وليد الفترة التي استولى فيها الأمازيغ على عرش النيل، بعد نهاية الأسرة المصرية الواحدة والعشرين سنة 950 ق.م، من خلال الملك الليبي شيشنق، بل كان قائما منذ أن بدأت ملامح الحضارة الفرعونية تتشكل وتظهر على مسرح التاريخ. و هناك أدلة علمية و أنتربولوجية تؤكد حقيقة تواجد الشعب الليبي الأمازيغي أو كما كان يطلق عليهم اسم الليبو في شمال نهر النيل و منطقة الدلتا قبل ظهور الأسرات الفرعونية وهذا ما سنوضحه فيما يلي :


بما أن الأمازيغ الذين كانوا أكثر وأقدم احتكاكا مع المصريين القدماء هم قبيلة "التحنو" فسنتحدث قليلا عنهم لأنه قد جاء ذكرهم بكثرة منذ زمن طويل من خلال الآثار والنقوش والرسوم الفرعونية.






تظهر النقوش و الآثار و الوثائق العائدة لفترة ماقبل الأسرات و ما بعدها Pre-Dynastic المؤرخة بحوالي (3400- 3200 ق.م.) قبل ظهور المملكة القديمة Ancient Kingdom المؤرخة بحوالي (2900-2280ق.م) ، الدليل القاطع و الجذري عن هوية من سكن مصر في تلك الفترات الأولى لعهد تأسيس الحضارة الفرعونية في الأراضي المصرية.


والتي بينت أنه في حوالي 4 الاف سنة ق.م كانت حروب بين ساكنة مصر في شرق النيل و ساكنة مصر الحالية غرب النيل وهم الليبيون أو كما نسميهم الأمازيغ


تجدر الإشارة إلى أن التحنو هم الليبيين أو الأمازيغ بالضبط كما ذكرت في البداية. ولقد جاء ذكرهم في بعض النقوش المصرية بهذا الاسم، كما هو معروف لدى المؤرخين وفي مايلي هذا أهمها:


الإثبات الأركيولوجي الأول:






أول الإثباتات الأركيولوجية هي من فترة ماقبل الأسرات، و تبدأ مع لوحة التحنو أو Libyan Palette


وتعتبر هذه اللوحة من أهم الشواهد الأثرية التي تدل على أن ساكنة شمالي النيل، أو ما يعرف بمنطقة الدلتا كانو من الليبيين القدماء. وقد عثر على هذه اللوحة في أبيدوس في مصر العليا، من طرف العالم الألماني Günter Dreyer و الذي حدد تسمية البلد من خلالها بالعبارة : "تاسيتي" T'a Siti و تعني أرض الأقواس أو أرض القوة أو رب القدرة.

ومن اللوحة أيضا استطاع العالم Günter Dreyer أن يميز العلامة الهيروغليفية التي تدل على التحنو الليبيبين، حيث نجد على أحد وجهي هذه اللوحة رسومات تمثل سبع مدن ليبية محصنة متحالفة استطاع أن ينتصر عليها الملك الفرعوني.

أما على الوجه الآخر فنجد ثلاثة صفوف تمثل ثيران وحمير وأغنام وأسفلها أشجار زيتون، بالقرب منها العلامة الهيروغليفية التي تدل على التحنو من ليبيا.

التحنو تعني حرفيا طوبومونيا خاصة بليبيا، أي منطقة غرب الدلتا شمال مصر.

و تعترف الحكومة المصرية عبر وزارة الآثار و الثقافة المصرية في متحفها بالقاهرة بهذا الأمر، حيث تنسب اللوحة بشكل رسمي لسكان ليبيا و تاريخ ليبيا، ويمكن التأكد من خلال الموقع الرسمي لمتحف القاهرة.


رسم الليبيين في آثار ما قبل الأسرات الفرعونية :


حسب ما ورد في كاتالوغ المتحف المصري، هذه الصلاية تنتمي لعصر ما قبل الأسرات وتحديدًا عهد الملك العقرب الذي قام بتوحيد القطرين الشمالي و الجنوبي قبل الملك نارمر. وهي من حجر الشست. تم العثور عليها في أبيدوس (سوهاج حاليا) ومعروضة بالمتحف المصري بالقاهرة. 

على الوجه الأول للصلاية جهة اليسار، نرى صورة لعقرب وحيوانات أخرى كل منهم يحمل فأسًا ويهدم حصنًا، و هذه الحيوانات اتخذت رموزا لأمراء مصر في ذلك الوقت، و يتشبهون بها لإعجابهم بقوتها وقدراتها. يعتقد البعض أن هذه الحصون كانت في غرب الدلتا. 

على الوجه الثاني جهة اليمين، صورة لصفوف من الحيوانات والنباتات كانت غنائم حصل عليها المصريون من غرب الدلتا بعد انتصارهم، على أمازيغ التحنو وعلى يمين صف النباتات بالأسفل توجد عصا معقوفة ترمز إلى قبائل التحنو التي كانت تعيش في الأراضي الليبية غرب الدلتا في ذلك الوقت مما يدل على أن المصريين كانوا يحاربون هذه القبائل.


الإثبات الأركيولوجي الثاني:



ومن أقدم آثار كتب عليه اسم أمازيغ التحنو هو صلاية الأسد والعقبان التي ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات في الألف الرابعة قبل الميلاد (4000 ق م) .


عُثر على هذه الصلاية في منطقة الكوم الأحمر وارتفاعها حوالي 32سم، ويوجد منها جزآن أحدهما محفوظ في متحف الأشموليان والآخر موجود في المتحف البريطاني. في هذه الصلاية منظر لرجال صرعى على الأرض وأسد يفترسهم وعقبان تحوم حولهم وتنقض عليهم ، لذلك سميت صلاية العقبان أو صلاية الأسد والعقبان. و في أعلى الصلاية صورة رجلين أسيرين أيديهما مقيدتان خلف ظهريهما يسوقهما لوائان مصريان عليهما الصقر حورس (وهذا يظهر أيضا أن حورس كان الإله الرسمي للبلاد في عصر ما قبل الأسرات وتحديدًا عصر نقادة الثالثة).

 الرجال يبدو من لحاهم وشعورهم الطويلة أنهم أجانب، و يرى الباحثون مثل نيقولا جريمال أنهم ليبيون من غرب نهر النيل أو كما يعرفون باسم التحنو. أما الأسد فمعروف أنه يمثل ملك مصر، حيث كان الملوك وقتئذ يحبون التشبه بالأسود والثيران إعجابا بقوتهم. واللواء الذي يقف عليه الصقر يمثل الإله حورس. من هنا يتضح أن الصلاية تروي قصة معركة شرسة دارت بين المصريين والأجانب الليبيين انتهت بانتصار المصريين.


شرح الرسومات :


هذه الصلاية هي ملحمة مصرية رواها المصريون على شكل صور وليس كلمات نظرا لعدم انتشار الكتابة وقتئذ، وهي ملحمة مزينة بتشبيهات رمزية جميلة، حيث تشبه الملك بالأسد والجنود المصريين بالعقبان، فإذا تُرجمت الصورة إلى كلمات تتحول إلى : " أغار الأجانب ذووا اللحى الطويلة والشعر المجعد على مصر، فخرج ملك مصر مع جنوده لقتالهم فهاجمهم الملك المصري كالأسد الذي ينقض على فريسته، وانطلق المصريون نحوهم كالعقبان التي تنقض على الفرائس حتى أبادوا الأجانب وألقوا العديد منهم صرعى على الأرض وأسروا من تبقى منهم أحياء وقيدوا أيديهم خلف ظهورهم وساقوهم أمامهم في موكب احتفالي مهيب".


الإثبات الأركيولوجي الثالث:



وهي لوحة الصيادين Hunters Palette أو لوحة صيد الأسود، مؤرخة بحوالي 3100 سنة قبل الميلاد من عهد ماقبل الأسرات، وترجع لفترة الحضارة النقادية الثالثة، معروضة لدى العموم في المتحف البريطاني وتعتبر إحدى تحف مجموعة اللوفر.


تظهر اللوحة مجموعة من 20 صيادا ليبيا من التحنو، ملتحين ويزينون شعورهم بالريش ويرتدون كيس العورة وتتدلى من قمصانهم القصيرة ذيول محملين بأسلحة من سهام و أقواس وصولجان، رمي للعصي، والرماح برفقة كلابهم ... وهم في حملة لصيد أسود وأرانب صحراوية وأنواع من الغزلان و جواميس من الثيران و طيور.

اللوحة تظهر احدى أهم الأنشطة الاقتصادية و الأجتماعية لعصر ماقبل الاسرات الفرعونية و قبل عهد التوحيد و التأسيس. و يظهر بشكل جلي مدى كثرة تواجد العنصر الليبي القديم داخل المجتمع و أساليب عيشه.


الإثبات الأركيولوجي الرابع :

لوحة التوحيد:



 ظهر اسم التحنو خلال الأسرة الأولى (3400- 3200 ق.م.) فى عهد الملك نعرمر على أسطوانة من العاج تعرف باسم لوحة التوحيد. ويظهر الملك فى هذا النقش وهو يضرب مجموعة من الأسرى الجاثمين، نقش فوقهم عبارة تحنو باللغة الهيروغليفية.


ذكر أيضا أمازيغ التحنو على الختم الأسطواني للملك نعرمر من الأسرة الأولى، و ورد في المعبد الجنائزي للملك ساحورع من الأسرة الخامسة، وفي نصوص الأهرامات وفي نصوص الأدعية من عصر الملك سيتي من الأسرة السادسة، وذكر على النصب التذكاري للملك منتوحتب بالجبلين من الأسرة الحادية عشرة. ومنه اشتق الإسم الأنتولوجي " تحينو " أي شعب التحنو ، وكتب بأكثر من طريقة على آثار تتواصل حتى عصر الدولة الحديثة .



#الأمازيغ_في_الحضارة_المصرية_القديمة


الجمعة، 7 يناير 2022

هل إعتلاء الأمازيغ عرش مصر تم سلميا أم بالحرب؟


 

إعتلاء الأمازيغ عرش مصر (ايجيبتوس) الفرعونية :


مقال للباحث و الكاتب سعيد بودبوز (بتصرف)


في أواخر النصف الأول من القرن العاشر قبل الميلاد، استولى الأمازيغ على أرض النيل وجلس قائدهم شيشنق الأول على عرش مصر. 

و تمكنوا من تأسيس أسر فرعونية أمازيغية هناك وهما الأسرتان الثانية والثالثة والعشرون بالتحديد، كما يرجح أن تكون الأسرة السادسة والعشرون أيضا أسرة أمازيغية.

من المعلوم عند المؤرخين، أن أول فرعون أمازيغي حكم مصر من هذه الأسر كان اسمه "شيشنق الأول".  وفي بعض الكتابات "شيشنوق" أو "شاشانق' أو"ششنق" ، والذي يطلق عليه الإغريق"سيسونخس". 

استولى شيشنق على عرش مصر سنة 950 ق.م واستمرت فترة حكمه لمدة 21 سنة. بعد شيشناق الأول حكم "أوسركون الأول" أو 'أسرثون" كما يسميه الإغريق لمدة 15 سنة ابتداء من سنة 929 ق.م إلى سنة 893 ق.م، حيث تولى العرش المصري من بعده "تاكيلوت الأول" أو "تاكلوتس الأول"  الذي استمر عهده لمدة 29 سنة، أي ما بين 893 ق.م و 870 ق.م. ثم حكم “أسركون الثاني” بعده لمدة 13 سنة، أي ابتداء من سنة 870 ق.مم إلى سنة 849 ق.م. بعد “أوسركون الثاني” آل العرش المصري إلى “تاكيلوت الثاني” الذي حكم في الفترة ما بين 847 ق.م. و832 ق.م. ثم تولى العرش بعده “سيسونخس” أو "شيشنق الثالث" ابتداء من سنة 832 ق.م إلى سنة 772 ق.م. بعد "شيشنق الثالث" آل العرش المصري إلى "بامي" ابتداء من هذه السنة إلى سنة 767 ق.م . بهذا نكون قد انتهينا من ذكر ملوك الأسرة الثانية والعشرين.


على أن الأسرة الثالثة والعشرين كانت أمازيغية هي الأخرى كما ذكرت ، وأول فرعون حكم مصر من هذه الأسرة هو "ابتوباس" أو "بادوباست" الذي استمر عهده لمدة 40 سنة ابتداء من717 ق.م إلى سنة757 ق.م. بعد "بادوباست" حكم "أوسرخو" أو "أوسركون الثالث" لما يناهز 8 سنوات، ابتداء من 757 ق.م إلى سنة 748 ق.م. ثم تولى الحكم بعده "بساموس" أو "تاكيلوت الثالث" لما يناهز 8 سنوات ابتداء من 748 ق.م إلى سنة 740 ق.م . وبعده تولى الحكم "زت" أو "زود آمون" لمدة 31 سنة.

 وتجدر الإشارة إلى أن الأسرة السادسة و العشرين يرجح أن تكون أمازيغية هي الأخرى(1) . وإن صح أن تكون كذلك فإن الفراعنة الذين ينتمون إلى هذه الأسرة هم: "بسماتيك الأول" ، "نخاو الأول" ، "بسماتيك الثاني" ، "نخاتو الثاني" ، "واج اب رع" ، "احمس الثاني" و "عنخ كا ان رع". وتمتد فترة حكمهم ما بين سنة 680 ق.م. و سنة 540 ق.م.


بالنسبة إلى تحديد فترة هذه الأسر وتسلسلها الزمني تم الاعتماد على ما جاء به المؤرخ المصري مانيتون [2] وذلك لما فيه من الدقة والتطابق مع ما تم التوصل إليه في بعض الأبحاث العلمية مؤخرا، فمن المعلوم أن مانيتون هو الذي وضع قوائم الملوك الفراعنة، بطلب من أحد الحكام البطالمة، وهي القوائم التي يقول في شأنها الدكتور سيد كريم :


" لقد ثبت أن النتائج التي يقدمها نظير الكربون 14 من الدقة بحيث لا يزيد عن 50 سنة في الخمسة ألاف سنة الأولى ويصل إلى ما لا يزيد على 120 سنة في العشرة ألاف. إن ذلك الخطأ الزمني في تاريخ مصر سيعيد إلى المؤرخ المصري مانيتون اعتباره، فهو الذي كتب التاريخ الزمني لمصر ابتداء مما أطلق عليه بدء الخليقة وحكم الكهنة المبجلين من عام 16500 ق.م إلى نهاية حكم الفراعنة، وحدد فيه بداية الأسرات عام 5619 ق.م بدلا من عام 3200 ق.م الذي حدده المؤرخون الأجانب" [3].


اختلف المؤرخون حول الوسيلة التي استخدمها الأمازيغ للسيطرة على مصر، إذ نجد البعض يميل إلى القول بأنهم دخلوها بالقوة، بينما يقول البعض الآخر بأن ذلك قد تم بالسلم، على أن ما يصعب نفيه هو تلك السلسلة من الهجمات الأمازيغية التي كان يتعرض لها العرش المصري منذ بداية الحضارة الفرعونية، والتي استطاع الفرعون المصري رمسيس الثاني أن يتصدى لها بحزم إذ سجل صرامة حقيقية ضد الأمازيغ، وكان شديد البأس أمام كل من تسول له نفسه أن يقترب من أرض النيل. ومن المعلوم أن تلك الهجمات الأمازيغية، التي كانت قبل وبعد رمسيس الثاني، تشن على مصر نراها قد انتهت بعد أن أصبح الأمازيغ حكاما لأرض النيل قيادة وجيشا. وهذا يجعلنا نفترض علاقة منطقية بين الحكم، حتى وإن تم بالسلم نوعا ما، وتلك الهجمات الشرسة. وهو ما يقودنا إلى الاستنتاج بأن السيطرة الأمازيغية على العرش المصري حدثت نتيجة الغزو العسكري حتى وإن حدث نوع من التراضي على مستوى التفاصيل كما سنرى لاحقا.


في إطار الأجواء التمهيدية التي انتهت بالسيطرة الأمازيغية على مصر، يقول الدكتور أحمد عبد الحليم دراز :


" تدهورت أحوال مصر الاقتصادية خلال عصر الانتقال الثالث، وسارت من سيئ إلى أسوأ، وكان وراء ذلك العديد من العوامل الداخلية والخارجية منها الحروب المتكررة التي خاضتها مصر في الشرق والغرب ضد شعوب البحر من ناحية وضد عناصر الماشواش والليبو في مصر من ناحية أخرى، وما نتج عن ذلك من إنهاك للاقتصاد المصري، واستقرار بعض العناصر الأجنبية في مصر، وأمكن لبعضها أن يرتقي عرش مصر كما حدث للأسرة الثانية والعشرين الليبية الأصل." [4]


فإلى جانب الصورة الداخلية المزرية التي أشار إليها أحمد عبد الحليم دراز هنا نجد أنه يتحدث عن تلك الهجمات التي كان يتعرض لها العرش المصري من الحدود الغربية لمصر، وهذا يعني أن الأمازيغ قد استولوا على مصر بالقوة، إلا أن هذا مجرد تحصيل حاصل أولي، على ما يبدو، لأن هؤلاء وإن كانوا يتحدثون عن حروب شرسة لم تكد تتوقف منذ فجر الحضارة المصرية إلا أنهم يفصلون بين ذلك واعتلاء شيشنق الأول للعرش المصري.

وفي المقابل نجد أن الأمازيغ ما زالوا يحتفلون برأس السنة الأمازيغية الموافق للرابع عشر من السنة الميلادية، وهم يعتقدون بأنه بدأ مع استيلائهم على مصر وانتزاعها من الفراعنة بالقوة، وذلك بعد أن هاجمهم الفراعنة وهزموهم شر هزيمة ثم لاحقوهم إلى مصر وبهذا استلوا على أرض النيل. ولكن هذه قد تكون مجرد أسطورة كما قد تكون حقيقة وعلى كل حال لا بد من استشارة ما أمكن من المراجع لعلنا نصل إلى حقيقة ما حدث في هذا الشأن.


إن الدكتور أحمد عبد الحليم دراز، وإن كان يميل إلى الاقتضاب في حديثه عن وصول الأمازيغ إلى عرش مصر، إلا أن ما أكده، من الهجمات التي تعرضت لها مصر على أيدي الأمازيغ، يعني أن القصة قد بدأت بإجبار السلطة المصرية الفرعونية على التنحي عن العرش المصري. وفي الحقيقة هناك مؤرخون آخرون يتحدثون عن تلك الهجمات ولكن عندما يصلون إلى مرحلة اعتلاء العرش المصري تراهم يتحدثون عنه باقتضاب واختزال وبسرعة فيخلصون إلى أن الأمر كان سلميا كما سنرى فيما بعد. ولعل أحمد عبد الحليم دراز يوضح ذلك أكثر بقوله :


“إبان هذه الفترة اشتدت غارات الليبيين على مصر حيث بدؤوا بالإغارات ضد مصر بجرأة ، وجاء أول هجوم خطير في بداية عهد الملك “سيتي” الأول” [5]


ولقد تحدث الآخرون عن هذه الهجمة الخطيرة ومنهم الدكتور مصطفى كمال عبد العليم الذي قال :


“وفي عهد الملك سيتي الأول (1318-1298 ق.م. ) شن الليبيون حوالي عام 1317 ق.م هجمة خطيرة تميزت بالجرأة. وقد اضطر الملك أن يقطع حملته في آسيا ليعود لصد هذه الهجمة.”[6]


أكيد لا أتحدث هنا عن الهجمات التي حدثت في زمن السيطرة على العرش فحسب ولكن أقدم أمثلة على أنه كانت هناك حروب طاحنة في الحقيقة بين الأمازيغ والمصريين منذ فجر التاريخ الفرعوني وهذه الهجمات لم تنته إلا بعدما استولى الأمازيغ على العرش المصري.

 أما العلاقة المباشرة بين هذه الهجمة الخطيرة والاستيلاء على العرش فهي غير ممكنة لأنها وقعت في سنة 1317 ق.م كما قال مصطفى كمال، وليس في سنة 950 ق.م، أي زمن اعتلاء العرش المصري من طرف شيشنق. 

ولكن الدكتور مصطفى كمال وإن كان يتحدث عن هذه الهجمات مثل غيره، إلا أن حديثه لا يقل اقتضابا واختزالا عندما يصل إلى اعتلاء الأمازيغ للعرش المصري، حيث يُلاحَظ وكأن هناك نوعا من التناقض بين حقيقة هذه الهجمات وافتراض سلمية اعتلاء العرش. فهو يتحدث عن الحروب التي دارت بين المصريين والأمازيغ على طول الزمن الفرعوني ما قبل الأسرة الثانية والعشرين بإسهاب، إلا أنه عندما يصل إلى مرحلة اعتلاء العرش يبدي نوعا من التغاضي والاختزال فيقول :


"بعد هذه الأحداث التي تعرض لها المشوش. كانت عناصر منهم قد تسللت إلى مصر، واستقرت أسر منهم في الواحات البحرية على الأرجح. وكان من بين هذه الأسر أسرة (بويو واوا). وقد مر بنا أن بعض العناصر الليبية قد عملت في الجيش المصري جندا مرتزقة، ويرجح أن بعض هؤلاء وصلوا إلى مناصب مهمة في البلاط الملكي، وإلى مراكز القيادة في الجيش" [7]


يقصد ما تعرض له المشوش على يد رمسيس الثاني، فلقد كان هذا الأخير، كما أسلفت، شديد البأس كثيرا ما تصدى بحزم للأمازيغ الذين كانوا يهاجمون مصر وكان، عندما يمسك بأحدهم، يجعله عبرة لأمثاله. 

يتابع الدكتور مصطفى كمال حديثه عن سلمية الاستيلاء الأمازيغي على العرش المصري قائلا :


"وجمع شاشانق بين لقبه الديني والعسكري ليدلل على أنه جمع بين السلطتين الدينية والمدنية في مصر الوسطى. واستطاع شاشانق بن نمرود بن شاشانق سالف الذكر أن يسيطر على الدلتا. وانتظر حتى توفي بسوسينس الثاني آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين فاستولى على الملك ولم يظهر أي عداء للبيت المالك وزوج ابنه سركون من ابنة بسوسينس ليؤكد أهليته لتوليه العرش المصري، وذلك لأنه لا يجري في عروقه الدم الملكي. وبمساعدة العناصر الليبية كون الأسرة الثانية والعشرين " [8]


بالنسبة إلى زواج “أوسركون الأول” من ابنة الفرعون المصري “بسوسنيس” يبدو أن كلام الدكتور مصطفى كمال غير دقيق، خاصة عندما يعلل هذا الزواج بالسعي للحصول على نوع من المشروعية لحكم مصر. ولكن إذا قلنا بأن زواج “أوسركون الأول” من هذه الأميرة المصرية كان من أجل توكيد أهليته للحكم، على اعتبار أنه لا تجري في عروقه دماء ملكية، فماذا عن شيشنق الذي سبقه إلى حكم مصر؟

ربما لو تزوج شيشنق الأول من هذه أو تلك الأميرة لكان لهذا الكلام معنى، أما والأمر لم يكن كذلك فلا بد من الانتقال إلى نقطة مهمة يكشف عنها زواج "أوسركون الأول" من هذه الأميرة، وهي المسألة التي تضعنا في حيرة من أمرنا لأنه من جهة يصعب الحديث عن الإستيلاء الأمازيغي على عرش مصر حتى وإن كان الدكتور مصطفى هنا يخلص إلى سلميته، لكنه تحدث بنفسه مطولا عن تلك الحروب الطاحنة التي اشتعلت بين المصريين والليبيين (الأمازيغ) وبالتالي فمن الصعب أن نتصور بأن هذا كله قد تحول، بين عشية وضحاها، إلى اعتلاء العرش المصري بالسلم.


ومن جهة أخرى، زواج "أوسركون الأول" من الأميرة المصرية يضع أمامنا علامة استفهام قوامها استبعاد أن يكون الاستيلاء على العرش قد تم في ظل أحداث عسكرية ساخنة من طراز السيطرة على عرش الفراعنة. إلا أن ما نلاحظه بوضوح هو أن الهجمات الأمازيغية على مصر قد انتهت بعد أن استولوا على العرش المصري وباشروا حكم البلاد والعباد هناك، سواء كانت لهذه الهجمات علاقة مباشرة بالسيطرة على العرش أو غير مباشرة.

 نجد الدكتور أحمد بدوي من الذين يميلون إلى القول بأن الأمازيغ حكموا مصر بطريقة سلمية، ويقول في هذا الصدد :


"وكان الليبيون كما نعلم يعملون في الحرص الملكي منذ أيام الأسرة الواحدة والعشرين، وهم قد استطاعوا -بعد لآي- أن يبلغوا العرش فأصبحت لهم أسرة بين الأسر التي حكمت مصر وعرفت عند المؤرخ "مانتون" بالأسرة الواحدة والعشرين" [9].


من جهة أخرى، نجد في لوائح الملوك الفراعنة التي وضعها المؤرخ المصري مانيتون، حسب الدكتور سيد كريم [10]، أن الفراعنة الأمازيغ جاء ترتيبهم ابتداء من الأسرة الثانية والعشرين حيث نجد شيشنق الأول يتصدر اللائحة المخصصة للأسرة الثانية والعشرين، علما بأنه أول فراعنة هذه الأسرة. وكذا الثالثة والعشرين الخ.

 إن الدكتور بدوي، هو الآخر، من الذين غضوا الطرف عن طبيعة اعتلاء العرش المصري من طرف الأمازيغ، وهو الموضوع الذي يستحق شيئا من التركيز لاسيما فيما يتصل بمصير تلك الهجمات وعلاقتها باعتلاء العرش المصري. وفي إطار البحث عن أسباب تلك الهجمات، خاصة الأخيرة منها والتي انتهت بالسيطرة على مصر، نأخذ ما جاء به أحمد عبد الحليم دراز، بالخصوص إشارته إلى ما تحدث عنه "جوهن ويلسون" في هذا الصدد. يقول الدكتور دراز :


"ويفسر ويلسون العوامل الاقتصادية في هذه التحركات تفسيرا ربما يكون مقبولا، حيث يرى أن شعوب البحر حين أخضعوا كريت أصبحوا الخلفاء الطبيعيين للتجارة البحرية الكريتية، ومن المحتمل أنه في تلك الفترة كانت التجارة البحرية المصرية قد أصابها الخمول، من هنا كان الصراع بين شعوب البحر ومصر من أجل تجارة البحر الأبيض المتوسط، وربما كان ذلك هو السبب الذي جعلهم ينضمون إلى الليبيين ضد مصر في هذه الحرب" [11]


إذا تأملنا هذا التفسير سنجد بأن ذلك يصب في القول بأنهم سيطروا على مصر بالقوة في نهاية المطاف، لأن الحرب من أجل تجارة البحر المتوسط، كما نرى، هي أمر جاد وكبير و لا يتعلق بإغارات طائشة مؤقتة هنا وهناك.

بل هذا يعني بأن الحرب كانت قد تم تحديد إستراتيجيتها من قبل الطرفين، المصري والأمازيغي. وأنه ليس من السهل أن يتنازل الفراعنة للأمازيغ عن العرش ما دام الأمر يتعلق بتجريدهم من أهم ركن من الأركان الاقتصادية للبلد ، ألا وهو تجارة البحر الأبيض المتوسط.

و لكن حتى في ظل قبول هذا التفسير، لا يجب أن ننسى بأن الأمازيغ الذين حكموا مصر لم يجعلوها مستعمرة تابعة لبلادهم الغربية، وإنما كانوا مخلصين لمصر وكأنهم أبناؤها تماما. هنا يبقى أمامنا احتمال الوجه السملي، لاعتلائهم العرش المصري، قائما وإن كان يتنافى مع ما أشرت إليه سالفا. 

وسعيا منه لمحاولة سد الثغرة التي تجعل القفز من الهجمات الأمازيغية الشرسة، إلى سلمية السيطرة على العرش الفرعوني علامة استفهام، يقول الدكتور مصطفى كمال عبد العليم :


"ليس من المستبعد أن يكونوا قد ساعدوا بني جنسهم من المشوش على الحضور إلى مصر والإقامة بها في حاميات الحدود على الأقل. بل إن الجيش المصري أصبح ابتداء من عصر الأسرة العشرين مؤلفا من الليبيين دون سواهم. وقد منحهم ملوك مصر هبات الأرض كأجر لهم وهكذا استطاعوا أن ينشئوا في البلاد جاليات عسكرية وكان يترأس كل حامية رئيس ليبي يحمل لقب الرئيس الكبير لما. "ما" هي اختصار لاسم مشوش." [12]


مادام فراعنة الأسرتين العشرين والواحدة والعشرين كانوا يحاربون الأمازيغ بجيش أمازيغي فربما كانت سياستهم بمثابة الاستنجاد بالنار من الرمضاء. وربما ساهم هذا في جعل مصر قابلة للابتلاع أخيرا وبدون أن تصدر أي صوت. كما يحتمل حصول نوع من الاستيعاب المصري للأمازيغ في نهاية المطاف، واعتبارهم أمرا واقعا مصريا لا مفر منه في كل الأحوال. يضيف مصطفى كمال :


" أسلفنا أنه بعد أن نجح الليبيون والمشوش بصفة خاصة، في التسلل إلى مصر والاندماج في أهلها وتمصرهم وقيامهم بتأسيس أسر حاكمة، أن العلاقات بين الليبيين والمصريين دخلت في دور هادئ ولم يرد في مصادرنا ما نستطيع أن نتعرف منه على مزيد من المعلومات عن الليبيين." [13]


هناك نقطة قد تساعد على فهم ما يبدو تناقضا بين الاجتياحات العسكرية الليبية الأمازيغية المعروفة ضد مصر وسلمية استلام السلطة فيما بعد. 

لنتأمل ما يقوله مصطفى كمال عن النفوذ الأمازيغي داخل مصر قبيل اعتلاء العرش، يقول :


"واستطاع موسن بن ويوواوا أن ينتظم في سلك كهنة الآلهة حرى شف. وشغل كذلك خلفاؤه منصب الكاهن لهذه الآلهة. وتجاوزت سلطتهم السلطة العادية للكاهن. وكان أحد أفراد هذه الأسرة وهو شاشانق قد نصب رئيسا على الجالية الحربية الليبية إلى جانب احتفاظه باللقب الديني. وحدث أن مات له ابن يسمى "نمرود" فدفنه في أبيدوس. وحدث أن اعتُدِي على قبره فذهب إلى الملك بتانيس رافعا شكواه. وجاء الملك بصحبة شاشنق إلى طيبة ليستمعا معا إلى حكم الإله آمون الذي حكم وحيه بإدانة الجناة" .[14]


نلاحظ بأن شاشانق كان رئيسا على الجالية الحربية الليبية (الأمازيغية) في مصر، وفي نفس الوقت كان يعيش في سلام مع كل من السلطة الفرعونية والكهنوتية، وهذا يعني أن الأمازيغ كانوا في هذه المرحلة قد وصلوا إلى ما كانوا يتطلعون إليه من خلال تلك الحروب التي تحدث عنها المؤرخون وتحدث عنها الدكتور مصطفى كمال عبد العليم ابتدءا من الصفحة 20 إلى الصفحة 32 من كتابه { دراسات في تاريخ ليبيا القديم} . والتي تلقى فيها الأمازيغ ما أشبعهم من التصدي والهزائم على أيدي المصريين، كما كانوا ينتصرون أيضا وهكذا طوال التاريخ القديم للبلدين. نستشف من خلال مقارنتنا لما سلفت الإشارات إليه من أقوال المؤرخين، إلى أن الأمازيغ الذين كانوا يهاجمون مصر، لم يكن الاستيلاء على السلطة يشكل هدفهم الرئيسي ، وإنما كانت الغاية أن يكون لهم ما يكفي من النفوذ في أرض النيل، وربما هذا ما يفسر حديث المؤرخين عن كون اعتلاء العرش كان بالسلم، وفي نفس الوقت كانت تلك الغارات قد انتهت.


إن ما يبدو واضحا من كلام الدكتور مصطفى كمال هو وجود نوع من توازن القوى في مصر، بين القائد شيشنق والفرعون المصري، لأن الاكتفاء بالحديث عن كون شيشنق كان يقدم خدمات عسكرية للفرعون مقابل ما يجود به الفرعون عليه من الهبات الأرضية وغير ذلك، لا يكفي لنلامس الذي حدث. 

فعلى سبيل المثال نجد أن شيشنق وجنوده كانوا يتمتعون بنوع من الاستقلال عن السلطة الفرعونية رغم كونهم داخل الأراضي المصرية، وهذا قد يتناقض مع مبدأ السيادة الفرعونية من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن الهجمات الغربية توقفت بعد أن أصبح شيشنق وأتباعه داخل مصر. ثم إن الخوض في شؤون الكهنة لم يكن بالأمر السهل، فلا بد أن شيشنق كان قد خطط لهذا المشروع بجدية عالية قصد الحصول على أهلية التدخل في شؤون الدين والسياسة معا كما رأينا. إذن لو تحدثنا عن التراضي والسلم المطلقين وافترضنا بأنهما كانا أساسيين في الاستيلاء على العرش المصري فسيبقى أمامنا أن نجيب عن مصير تلك الهجمات وكيف لم يتخوف الفرعون من شيشنق مثلا أن ينقلب عليه ما دامت الحروب لم تتوقف بين البلدين منذ قرون. وفي نفس الوقت لو افترضنا بأن الأمازيغ قد استولوا على العرش المصري بالقوة العسكرية المطلقة فسيكون علينا أن نجيب على الهدوء الذي اكتنف لحظة اعتلاء العرش وما يتعلق بزواج أسركون الأول من الأميرة. إن هذه النقطة تقربنا من فهم ما يبدو تناقضا بين الاجتياحات العسكرية التي لم يتوقف الأمازيغ عنها ضد مصر وبين ما نراه من السلم والهدوء أثناء استلامهم السلطة.

يقول الدكتور مصطفى كمال عن الفرعون بتانيس :


"وأرسل ترضية للشاكي تمثالا على صورة ابنه ليوضع في معبد أوزيريس في أبيدوس. وهذا الحادث يوضح مدى قوة شاشانق وأسرته وأنهم اعتنقوا ديانة المصريين حتى أن شاشانق خضع لقرارات وحي آمون كما فعل أي مصري." [15]


على كل حال يبدو أن النفوذ الأمازيغي داخل مصر كان قائما منذ زمن طويل جدا حتى وإن اشتد أكثر في الآونة الأخيرة، وحتى وإن جنح للسلم والهدوء. يقول مصطفى كمال :


"وقد سبق أن ذكرنا أن "وني" قائد الجيش في عهد الملك بيبي الأول قد ذكر أن جيشه كان يضم فرقة مرتزقة من التمحو الليبية [16].

و التمحو هم الأمازيغ الذين كانوا يهاجمون مصر وذكرتهم الآثار المصرية بهذا الاسم كما سماهم غير المصريين به أيضا. يواصل مصطفى كمال قائلا: 

"وقد يفسر ذلك بأن التمحو عرفوا طريقهم إلى الاستقرار في مصر بعيدا عن جو المناوشات والإغارات منذ وقت مبكر. ونضيف إلى ذلك أن حاكم القوصية في عهد أمنمحات الأول وكان اسمه "سبنى" قد صور وهو في طريقه إلى الصيد وخلفه تابعه يحمل أسلحته وكلاهما كان يلبس قراب العورة . ويلاحظ أيضا أن سبنى كان يلبس على صدره شريطين متقاطعين وأن تابعه يتحلى بريشة مثبتة في رأسه. فإذا سلمنا بأن هذا الحاكم من أصل ليبي فإنه من المرجح أن تكون أسرته قد دخلت مصر في العهد الإقطاعي الأول" [17]


إن ما يمكن أن نتوصل إليه، من خلال مراجعتنا لما يقوله المؤرخون عن الاحتكاك الذي كان قائما بين البلدين الأمازيغي والمصري، هو أن الحرب التي كانت مشتعلة بين الطرفين قد مهدت الطريق فعلا أمام الأمازيغ، للدخول إلى مصر حتى وإن لم تفض بشكل مباشر إلى استلام السلطة في بداية الأمر. 

يبدو أن الأمازيغ قد دخلوا مصر على عدة جبهات، منهم من كان مرتزقا لدى الفراعنة ومنهم من تسلل بطريقة مدنية ومنهم من فرض نفسه بالقوة حتى وإن لم يثقل على السلطة بحيث يجعلها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التنحي عن العرش المصري وإما الحرب. لهذا نجد أن النفوذ الأمازيغي العسكري والمدني معا، كان قائما في مصر وفي نفس الوقت كان هناك هدوء وتعايش سلمي.

وربما أدى هذا إلى ترسيخ صورة شيشنق بشكل أكثر إيجابي في نفوس المصريين. وما لا شك فيه أن نفوذ شيشنق في مصر قد فتح الباب أمام الأمازيغ، للدخول إلى مصر مما حد من الهجمات الغربية التي كان يتلقاها العرش المصري.


من المعلوم أن ما كتب حول الحضارة الفرعونية يفوق ما كتب حول الحضارة الأمازيغية، وذلك راجع لسببين رئيسيين: 

الأول هو أن مصر التفت إليها الباحثون بسبب الأهرامات وما يصب في موضوعها من الأثار والكنوز النادر لها مثيل في العالم. 

أما السبب الثاني فهو راجع إلى التآمر الكلونيالي الممنهج الذي تعرض له كل ما هو أمازيغي. ولقد شاءت الأقدار أن تتقاطع مصلحة الغرب مع مصلحة الشرق في الإبقاء على كل ما هو أمازيغي تحت الثرى، فذلك واضح لا يحتاج للتأمل حتى. ولكن بعد أو قبل هذا كله، من الأجدر أن نتساءل ما إذا كانت الأمة الأمازيغية، التي يحاول بعض الكلونياليين أن يسيئوا تصويرها، مؤهلة للسيطرة على مصر الفرعونية وحكمها طوال تلك المدة الزمنية أم لا. وهو التساؤل الذي تقتضي مستلزمات الجواب عنه القول بأن هذه الأمة لم تكن كما حاولوا تصويرها واختزالها، بل كانت متحضرة و في المستوى المطلوب من الوعي. و القارئ النمطي للمؤرخ النمطي سيجد مفارقة في هذا الموضوع تنم عن تناقض، يبدو أن بعض المستهينين بالأمازيغ القدماء قد وقعوا فيه عندما اعتقدوا أو أرادوا أن يعتقدوا، بأن هؤلاء كانوا مجرد أمة بعضها يسكن الكهوف والبعض الآخر لا أدري ماذا كان يفعل.


السؤال الحاسم في هذا الصدد هو التالي :

 هل كان المستوى الحضاري للأمازيغ في مستوى مصر الفرعونية حتى نتحدث عن الاستيلاء عليها وحكمها طوال ما يزيد عن قرنين ونصف من الزمن؟ 

يمكن الإجابة عن هذا السؤال بإيجاز برصد ما أمكن من تفاصيل الحياة التي كان يتقاسمها الشعبان الأمازيغي والفرعوني قصد الوصول إلى ما أمكن من العناصر الحضارية التي يمكن الحديث بأنها كانت فاصلة أو مشتركة بين الشعبين، والتي يتحدد بمقتضاها مستواهما الحضاري.

 عندما ننزل من الأبراج العاجية إلى الواقع الملموس نجد من الممكن القول بأن الأمازيغ لم يكونوا أقل شأنا من الفراعنة إلى الحد الذي قد يتصوره شخص قليل الاطلاع. 

وسنبدأ بما هو يومي و يمس حياة الفرد عن قرب وبشكل مبسط من أجل أخذ صورة تقريبية للحالة الحضارية التي كان يعيشها الشعبان القديمان.


إن طبيعة العيش اليومي لم تكن راقية عند الفراعنة ومنحطة عند الأمازيغ كما ربما يتصور البعض، فلننظر مثلا ما يقوله المؤرخ اليوناني هيرودوت في حديثه عن النظافة والصحة لدى الفراعنة، كبداية الطريق نحو الواقع الذي كان يعيشه الشعبان الفرعوني والأمازيغي ، ومن ثم نقترب شيئا فشيئا إلى علاقة ذلك بالمظاهر التاريخية الكبرى التي ربما سطرت المسار المشترك بين الشعبين وحددت طبيعة التفاعل الاجتماعي والسياسي وحتى العسكري بينهما. إذا انطلقنا من هذه النقطة سنجد بأن هيرودوت مثلا لم يجعل الأمازيغ في مستوى الفراعنة فحسب، وإنما جعلهم فوق الفراعنة ! يقول في حديثه عن الفراعنة :


"مراعاة لصحتهم يتناولون ثلاثة أيام متتالية من كل شهر مقيئات و حقن شرجية، إذ يعتقدون أن جميع الأمراض تصيب الناس من الأطعمة التي نتغذى بها، وهم حتى بغير ذلك، أصح الناس عامة بعد الليبيين." [18]


مع العلم أن الليبيين هم الأمازيغ. وعندما ينتقل إلى الحديث عن الأمازيغ في هذا الصدد يقول :


"و الناس هنا يختلفون عن سواهم في نمط الحياة عموما كما في نهجهم في معاملة الأطفال، فهناك الكثير من البدو - ولست أقول كلهم- يعمدون إلى كي عروق الرأس والصدغين أحيانا حين يبلغ الطفل الرابعة من العمر، بوضع قطعة من الصوف مدهونة بالشحم على المنطقة التي يراد كي العروق فيها، فيكون ذلك تحصينا له من الزكام . ولذلك تجد أطفال هؤلاء القوم أسلم الناس في العالم صحة ، أو أنهم  وهذا حق، أفضل صحة من أي عرق آخر عرفته، وإن كنت غير واثق من أن هذا هو السبب في سلامة صحتهم. أما أنهم يتمتعون بصحة ممتازة فحقيقة ثابتة مؤكدة." [19]


حتى في موضوعه المخصص للحديث عن مصر لم ينس هيرودوت أن يشير إلى ما كان معروفا آنذاك في هذه المسألة، وهو أن الأمازيغ القدماء كانوا يتمتعون بصحة جيدة وأنهم شعب كان يهتم بنفسه شكلا ومضمونا و يراعي مبادئ الصحة والنظافة. 

وهذا ما يتنافى مع الحديث عن شعب بدائي لم يكن يهمه سوى أن يأكل ويشرب. إذا كان هيرودوت قد جعلهم في مرتبة أعلى من الفراعنة في هذا المجال، فنحن نعرف بأن الفراعنة لم يكونوا مجرد شعب عادي بسيط بدائي حتى نستهين بمثل هذه المقارنات. كما أن هذه الأشياء اليومية التي قد تبدو تافهة نوعا ما، هي التي تجعلنا ننفذ إلى الواقع المعاش انذاك قبل الانتقال إلى البنية الفوقية التي تشكلها الطبقة السياسية أو العسكرية. ما دمنا نتحدث عن الأمازيغ الفراعنة فلا بد من النزول إلى الأرض لنرى كيف كانت حياتهم اليومية بالنسبة إلى الفراعنة الذين أزاحوهم عن عرش مصر في يوم من الأيام.


هناك جوانب أخرى يمكن أن نستشف من خلالها حقيقة كون الأمازيغ في المستوى المطلوب من التحضر الذي كان يمليه العصر آنذاك. ففي حديثه عن التحالف المنعقد بين الأمازيغ وشعوب البحر على سبيل المثال وليس الحصر، يقول فوزي جادا الله :


"وكانت الزعامة في هذا التحالف لليبيين دائما وهذا يعني أن القبائل الليبية كانت قوية ومتحضرة بما سمح بأن يدين لها بالزعامة أصحاب الحضارة الإيجية السابقة للحضارة الإغريقية الكلاسيكية" .[20]


ويقول الدكتور مصطفى كمال عبد العليم في هذا الصدد:


"يبدو أن المشوش لم يكونوا غير متحضرين، بل يستدل من وصف أسلحتهم من سيوف وعجلات حربية أنهم كانوا مسلحين سلاحا قويا ومنظما. وكان استعداد الفرعون لملاقاتهم يتناسب مع خطورة هجومهم وقوة سلاحهم." [21]


ومن المعلوم أن المشوش أو المشواش هي القبيلة الأمازيغية التي أنجبت شيشنق الأول وغيره من الأمازيغ الذين استولوا على العرش المصري. هذا ما يتغافل عنه بعض المؤرخين، فعندما يتحدثون عن سيطرة الأمازيغ القدماء على العرش المصري ينسون بأن ذلك لم يكن بالأمر السهل سواء حدثت السيطرة بالقوة أو بالسلم. فلا بد من الإدراك بأن الأمازيغ القدماء كانوا أمة متحضرة قوية واعية تعرف إلى أين تسير وليس كما يحاول ذوو الأدوار الكلونيالية المعروفة أن يختزلوها ويهمشوا دورها في تاريخ هذه المعمورة.


إذا انتقلنا إلى مظهر آخر من هذه المظاهر الأساسية، نجد أن الشعب المصري ربما كان أقل تمتعا بالحرية التي كان يتمتع بها الشعب الأمازيغي، وربما كانت هناك شريحة -على الأقل- من الشعب المصري تفضل الانتماء إلى الأمازيغ على انتمائها إلى مصر الفرعونية. يقول المؤرخ اليوناني هيرودت :


"حدث أن أهل مدينتي ماريا و آييس الذين يسكنون من مصر أجزاءها التي تتاخم ليبيا، كانوا يعتبرون أنفسهم ليبيين لا مصريين. وذلك لما أثقلتهم الشعائر الدينية بما لا طاقة لهم به، ورغبوا في أن يأكلوا لحم البقر وأرسلوا إلى آمون مدعين أن ليس هناك شيء يجمع بينهم وبين المصريين، لأنهم يسكنون خارج الدلتا وأن ليست بينهم وبين المصريين صلة في اللغة. وأنهم شاؤوا أن يحل لهم أكل كل طعام، ولكن الإله لم يسمح لهم بذلك". [22]


الملاحظ هنا أن هؤلاء المصريين- حسب ما جاء به المؤرخ اليوناني هيرودوت- كانوا يفضلون الانتماء إلى الأمازيغ و الانضواء تحت الحكم الأمازيغي آنذاك، لاسيما المتاخمون منهم للأراضي الأمازيغية. لكن الدكتور أحمد بدوي قال بأن هاتين المدينتين تقعان في الصحراء الليبية [23]. 

و في الحقيقة نجد هناك بعض الاختلاف لا شك أنه عائد إلى طبيعة الترجمة حيث نجد في الكتاب الثاني من تاريخ هيرودوت الذي ترجمه عبد الإله الملاح، أن حديث هيرودوت عن هاتين المدينتين جاء كالتالي:


"وقد علمنا أن سكان ماريا و ابيس الذين يقيمون على الحدود الليبية قد ضاقوا ببعض أعراف الدين، وخاصة تحريم أكل لحم العجل، فبعثوا إلى معبد آمون من يقول إنهم لا يرون أنفسهم ملزمين باتباع أعراف المصريين، فهم ليبيون ولا يمتون لهم بصلة، ويقيمون خارج الدلتا ويرغبون بالتالي أن يعيشوا كما يشاؤون. لكن الكاهن رد طلبهم وأعلن أن مصر هي الأرض التي يرويها النيل، والمصريون هم جميع الناس الذين يعيشون ما وراء الألفنتينا وينهلون من مائه". [24]

والألفنتينا موقع جنوب "أسوان" حسب ما جاء في شرح عبد الإله الملاح [25].


 ففي ترجمة الدكتور محمد صقر خفاجة للكتاب الثاني من تاريخ هيرودوت وهو الكتاب الذي يحمل عنوان {هيرودوت يتحدث عن مصر} ، نجد الحديث هنا عن مسألة اللغة التي يبدو أنها كانت مختلفة بعض الشيء بين أهل هاتين المدينتين وباقي سكان مصر، وهو الشيء الذي لم يرد في ترجمة عبد الإله الملاح الذي يقول في مقدمة الكتاب: "وقد آثرنا تقديمه بالعنوان الذي عرف به في كتب المؤرخين {تاريخ هيرودوت} منقولا عن الترجمة الإنجليزية التي أنجزها جورج رولنسون بطبعتها المنقحة الصادرة عام 1936" . هذا يعني أن ترجمة "جورج رولنسون" أيضا لم يرد فيها الحديث عن الاختلاف اللغوي.

و سواء ذكر هيرودوت مسألة اللغة هنا أو لم يذكرها، فإن الاختلاف اللغوي الذي أشار إليه أهل المدينتين المتاخمتين لليبيا (أرض الأمازيغ)، يرجح أنه كان عبارة عن إحدى الذرائع التي توسلوا بها إلى معبد آمون من أجل تخليصهم من الانتماء إلى مصر. وكما يقال أن الغاية تبرر الوسيلة فليس بالضرورة أن يكون هناك اختلاف لغوي بالمعنى الكبير كالاختلاف بين العربية والهيروغليفية مثلا. فما دمنا في إطار الحديث عن قوم أرادوا الانفصال عن مصر بسبب تلك الأعراف الدينية المشار إليها سالفا، فقد يكفي أن يكون هناك اختلاف طفيف بين لهجتهم وباقي اللهجات المصرية الأخرى حتى يضيفوا ذلك إلى قائمة مبرراتهم للانفصال.


أما الرد المخيب للآمال والذي جاءهم من معبد آمون، فهو يؤكد بأنهم مصريون. ثم إنهم لو كانوا أمازيغ لقال هيرودوت بأنهم ليبيون وليسوا مصريين. على كل حال هذا لن يغير شيئا في كون هذه النقطة تستحق وقفة تأمل. إن هؤلاء الذين أرسلوا إلى معبد آمون من أجل الانسلاخ عن الهوية المصرية والاندماج في الهوية الأمازيغية، حسب ما نستشفه من موقفهم، يكشفون لنا عن طبيعة الاستساغة الشعبية للسياسة الفرعونية التابعة في كل صغيرة وكبيرة لمؤسسة آمون الكهنوتية. إذا كان دافعهم للتبرؤ من السياسة المصرية الفرعونية يتمثل في ضيقهم بتلك الأعراف والطقوس الدينية التي تحدث عنها هيرودوت، فمن المعلوم أن هذه الأعراف كانت تنطبق على جميع سكان مصر الواقعين تحت الحكم الفرعوني. وهذا ربما يجيز لنا تعميم الحديث عن الضيق بالنسبة إلى البسطاء المصرين على الأقل، والذين لم يكونوا مختلفين اقتصاديا عن هؤلاء الذين تحدث عنهم هيرودوت فهذا أمر يبدو طبيعيا. 

يقول هيرودوت في هذا الصدد :


" ولكن من المحظور عليهم تناول السمك، أما البقول فهي ممقوتة عند المصريين فلا يزرعونها أو يأكلونها، نيئة أو مطهية "  [26]


هذا مثال فقط على القيود الدينية التي تغلغلت في أدق تفاصيل العيش اليومي لدى الفراعنة. على أنه لا بد من الإشارة إلى أن هناك تناقضا، في حديث هيرودوت ربما حول ما يتعلق بأكل لحم العجل، فإذا كان يقول بأن أولائك المصريين المتاخمين لبلاد الأمازيغ كانت رغبتهم في أكل لحم العجل واحدة من أسباب عزمهم على الانفصال عن مصر -حسب ما نستشف من كلامه- فإنه قد قال في موضع آخر :


"وسأقتصر في هذا المقام على عرض النهج الشائع في التعامل مع القرابين المقدمة للآلهة التي يبجلونها أشد التبجيل أيزيس ويخصونها بأعظم احتفالاتهم. وقد جرت عاداتهم على أن يطلقوا ألسنتهم بعد سلخ جلد الثور بالأدعية، فإذا انتهى الدعاء انتزعوا الكرش والأمعاء، تاركين الأحشاء الأخرى والدهن. ويعمدون بعدئذن إلى تقطيع أعضائه من القوائم وما بين الأضلاع والظهر والكتفين والرقبة، ثم يحشون الثور بالخبز والعسل والزبيب والتين والبخور والمر وغير ذلك من التوابل، ثم يسكبون كميات من الزيت فوق لحم الأضحية ويشوونها. وجرت العادة على أن يصوموا قبل التضحية وأن يضربوا صدورهم بقبضاتهم أثناء شي اللحم. وإذا انتهى هذا الطقس التفتوا إلى تناول الوجبة من الأجزاء التي بقيت." [27]


إذا لم يكن هذا تناقضا فهو يعني أن السياسة الكهنوتية لدى الفراعنة، كانت تجيز لبعض النخب أن تأكل لحم العجل بينما تحرمه على العامة. ولعل ما ينشط هذا الرأي أن حديث هيرودوت عن أكل لحم العجل ورد في إطار طقوس دينية (القرابين) ، وهذا يعني أن الآكلين هم نخبة محددة قد لا تتعدى طبقة الكهنة أو ما شابه. بينما جاءت الإشارة إلى حظر هذا اللحم في إطار الحديث عن عامة الشعب، أي سكان مدينتي "ماريا" و"آبيس" المتاخمتين لبلاد الأمازيغ (ليبيا). 

وكما أشار الدكتور أحمد بدوي في شرحه للكتاب الثاني من تاريخ هيرودوت والذي يحمل عنوان "هيرودوت يتحدث عن مصر" ، فإن هيرودوت قد وقع في بعض الالتباسات على أن ذلك لا يعني أن كل ما قاله عبارة عن أخطاء.


من المعلوم أن تلك الأعراف الدينية، إذا لم تكن عبئا على الطبقة الميسورة، فقد كانت بطبيعة الحال تنطبق على كل بسطاء مصر سواء كانوا من المتاخمين لبلاد الأمازيغ أو غيرها. عندما ندقق في هذه الأمور، نجد أنه ربما يجوز القول بأن عدم اشتعال ثورات المصريين ضد الفراعنة الأمازيغ، الذين حكموا مصر لما يزيد عن قرنين ونصف، عائد إلى رضاهم نوعا ما على السياسة التي كان الأمازيغ يتبعونها في حكمهم لمصر. والحق أن هيرودوت قد تحدث في مواطن أخرى عن كثرة العبادات لدى الفراعنة مما يبعث على استصعاب الحياة هناك نوعا ما بالنسبة للطبقة الدنيا، ولا يتسع المجال الآن لذكرها.


المقال ل: سعيد بودبوز، باحث وكاتب