الحرب الأهلية النوميدية (112 ق.م-118ق.م) ومراحلها:
اندلاع الحرب وإنتصار الملك النوميدي يوغرطة:
بعد وقت قصير من مقتل هيمبسال إنتشر الخبر في كل أنحاء نوميديا وسيطر الخوف على أدربال وجميع رعايا ميكيبسا السابقين. فإنقسم النوميديون إلى حزبين أغلبهم إنضم إلى أدربال بينما أفضل الجنود إنحازوا إلى يوغرطة ، لذلك بدأ هذا الأخير بحشد الجيوش وفتح معظم المدن النوميدية طوعا أو كرها، وإستعد لتوحيد كل نوميديا تحت سلطته.
في أثناء ذلك أرسل أدربال سفراء لروما لإبلاغ مجلس الشيوخ عن اغتيال هيمبسال وحالته السيئة ولم ينتظر حتى تأتي الإجابة، فقد إنطلق بقواته للحرب معتمدا على تفوقه العددي إلا أن يوغرطة هزمه هزيمة ساحقة في أول معركة، فهرب إلى مقاطعة إفريقيا الرومانية ومن ثم إنطلق نحو روما. وهكذا وحد يوغرطة نوميديا كلها وبدأ بعدها يفكر في كيفية التعامل مع أدربال ومجلس الشيوخ، فأرسل مبعوثين لروما محملين بكميات كبيرة من الذهب والفضة وأمرهم بشراء أعضاء مجلس الشيوخ الأكثر تأثيرا دون تردد. يقول فلوروس عن هذا : " بمجرد أن تخلص يوغرطة من هيمبسال أراد القضاء أدربال الذي هرب بالفعل إلى روما، عندها قام يوغرطة بتوزيع المال عبر سفرائه بين مجلس الشيوخ وإستطاع إستمالتهم لرأيه، كان هذا أول إنتصار له علينا"
النقاش في مجلس الشيوخ وتقسيم نوميديا:
بعد أن إنتهى السفراء من توزيع المال تم تحديد وقت لمثول الطرفين المتنازعين أمام مجلس الشيوخ ، عندها ألقى أدربال الذي يبدو أنه يتقن اللغة اللاتينية أمام المجلس خطابا عاطفيّا طويلا مليئا بالتوسل، و اعتبر أدربال نفسه مجرد خادم لروما وكل ذلك من أجل إتخاذ قرار قوي ضد يوغرطة. و بعد أن انتهى أدربال رد سفراء يوغرطة بالقول أن هيمبسال قتله النوميديون بسبب قسوته وأن أدربال من بدأ الحرب وهزم فيها لهذا لايجب الوثوق في أقواله، بعد ذلك غادر الفريقان المتنازعان وبدأ أعضاء المجلس بمناقشة القضية.
وقف الأغلبية من الذين تم رشوتهم إلى جانب يوغرطة وامتدحوا شجاعته بينما وقف القليل إلى جانب أدربال، وبعد نقاش حاد تم إتخاذ قرار تقسيم نوميديا بين يوغرطة وأدربال لذلك أرسلوا وفدا من عشرة أعضاء بإشراف لوكيوس أوبيميوس. إستقبلهم يوغرطة وتمكن من شراء أصوات أغلبهم لصالحه، فتم التقسيم حيث حصل يوغرطة على الجزء الغربي المحادي لموريتانيا وهو الأكثر خصوبة وسكانا بينما حصل أدربال على الجزء الشرقي الأكثر عمرانا وتطورا.
في الحقيقة لم يرضى يوغرطة بهذا التقسيم ولا بأي تقسيم آخر، فقد كان طموحه هو توحيد كل نوميديا تحت إمرته ، وقد شجعه وفرة الثروة في كسب العديد من أعضاء مجلس الشيوخ لذلك فقد أبدى رضاه ظاهريا و بمجرد مغادرة أعضاء الوفد بدأ يخطط لإيجاد طريقة للحرب والسيطرة على مملكة أدربال.
الحرب على أدربال وحصار مدينة سيرتا :
بدأ يوغرطة بمهاجمة مملكة أدربال بقوة عسكرية كبيرة، وأسر الكثير من السكان ونهب المواشي والقرى ثم عاد لمملكته منتظرا خروج أدربال للإنتقام إلا أن أدربال كان جبانا وفضل عدم خوض حرب أخرى بعدما جرب ألم الهزيمة فيها سابقا. فقام بإرسال سفراء ليوغرطة من أجل استنكار أفعاله لكن تم إعادتهم بردود مهينة. و عندما أدرك يوغرطة أن أدربال لن يقوم بالمواجهة قرر مهاجمة مملكته بجيوش جرارة بهدف السيطرة على كل نوميديا، فدمر المدن الموالية ونهب الحقول وزرع رعبا كبير في نفوس أعدائه.
عندما أدرك أدربال أن خيار القتال لا مفر منه خرج بقواته لمواجهة يوغرطة، فعسكر الجيشان بجوار مدينة سيرتا..
لم تبدأ المعركة بسبب حلول الليل، لكن فجأة قبل بزوغ الفجر هاجم جنود يوغرطة معسكر أدربال وهزموا جيشه فهرب مع بعض جنوده إلى سيرتا، فطارده يوغرطة و بدأ بمحاصرة المدينة و حاول إقتحامها بكل وسائل الحصار من أبراج وسقوف ، و سبب استعجاله في اقتحام المدينة هو كونه يريد إتمام خططه قبل وصول السفراء الذين أرسلهم أدربال بسرعة إلى روما.
لكن مجلس الشيوخ سمع بالمعركة في سيرتا فأرسل مبعوثين لحل النزاع، و بعد أن استقبلهم يوغرطة تعهد بإرسال سفراء من جانبه لمناقشة موضوع الصلح، إنتظر يوغرطة حتى غادر المبعوثون إفريقيا فعاود هجومه على سيرتا ، لكنه أدرك أنه لن يستطيع دخولها بسهولة نظرا لموقعها المحصن طبيعيا لذلك أحاطها بالخنادق والقلاع وبدأ يحاول إقتحام المدينة ليلا ونهارا بكل الوسائل. و عندما علم أدربال أنه ليس له أمل في النجاة أرسل مبعوثين لإيصال رسالته إلى مجلس الشيوخ، و رغم شدة الحصار المفروض عليهم استطاعوا المرور بصعوبة و أوصلوا الرسالة لمجلس الشيوخ الروماني و قرآها أمامهم وتضمنت عبارات التوسل الدرامية كالعادة من أجل إنقاذ حياة أدربال.
قرار مجلس الشيوخ ونهاية أدربال :
حدث نقاش طويل حول ما يتوجب فعله بخصوص يوغرطة، و من بين الإقتراحات كان إرسال جيش لمساعدة أدربال على الفور، لكن أعضاء مجلس الشيوخ الذين إشتراهم يوغرطة وسماهم سالوستيوس ب "عملاء الملك" ناضلوا بكل قوة من أجل منع إصدار هذا القرار . و في النهاية تم الإتفاق على إرسال وفد إلى إفريقيا يتضمن أعضاء من أصول أرستقراطية من بينهم رئيس مجلس الشيوخ ماركوس سكاوروس بدل إرسال قوات عسكرية. وبعد أن نزلوا في أوتيكا بعثوا برسالة ليوغرطة من أجل الحضور فقرر إكمال ما بدأه بسرعة قبل مواجهة الأعضاء، فهاجم أسوار سيرتا بقوة أكبر لكن المحاولة باءت بالفشل، فحضر إلى أوتيكا مع عدد من الفرسان ، وقد وجه أعضاء الوفد تهديدات خطيرة ليوغرطة لأنه لم يفك الحصار عن أدربال، و بعد مناقشة طويلة غادر الوفد دون أي نتيجة.
بعدما وصلت هذه الأخبار إلى سيرتا كان الإيطاليون المقيمون هناك وهم من التجار و الذين قاتلوا إلى جانب أدربال واثقين أنه في حالة إستسلام المدينة ليوغرطة سينقذون حياتهم بسبب هيبة روما. لذلك نصحوا أدربال بتسليم نفسه والمدينة بشرط بقاءه حيا، و فتحت أسوار سيرتا أمام يوغرطة بعد حصار دام لأكثر من 5 أشهر .. و لكن أول ما قام يوغرطة هو القبض على عميل روما الخائن أدربال فقتله بعد تعذيبه ليكون عبرة لمن بقيت في نفسه التبعية للرومان.. ثم أعمل السيف بقتل الكثير من النوميديين والتجار الإيطاليين الذين شاركوا في حماية سيرتا.
و هكذا وحد الملك يوغرطة نوميديا مرة أخرى وتخلص من الخونة و تحقق هدفه في منع تشتيت المملكة النوميدية إلى إمارات فاشلة يسهل التحكم فيها.
بعد أن وصلت الأخبار إلى روما حدثت نقاشات شديدة في مجلس الشيوخ، فتقرر إعلان الحرب ضد الملك يوغرطة الذي باتت غايته واضحة لهم و تصبح تهديدا خطيرا للنفوذ الروماني في المنطقة
المراجع:
1_ Sallust, The War Against Jugurtha, Chapters 14... 27
2_ Annius Florus, Abridged Roman History Page 210






