إمارة آث عباس
إمارة آث عباس
مقدمة :
يجهل الكثير من الجزائريين بالخصوص سكان الجلفة و تڨرت و بسكرة أن هذه المناطق كانت يوماً ما تابعة لمنطقة القبائل عبر إمارة آث عباس ..
و مجرد منشور تاريخي واحد عن هذه الحقيقة يقابله كم من السب و الشتم و تعليقات تهكمية، وهذا ماهو إلا دليل على الجهل الكبير بالتاريخ الجزائري فما هي إمارة بني عباس ؟
نشأة الإمارة :
تشكلت إمارة آث عباس عند سقوط بجاية عاصمة الحفصيين الغربية و أكبر الثغور البحرية بالمغرب الأوسط على يد بيدرو نافارو الإسباني سنة 1510م، أدت إلى نزوح السلطان عبد الرحمان إلى القلعة بنواحي تاقرابت في أعالي بجاية، و أسس إمارة بني العباس و نقل عاصمته هناك ثم خلفه ابنه السلطان أحمد بن عبد الرحمان الذي أنشأ القصبة و المدينة داخل القلعة، و أنشأ جيشاً نظاميّاً و قام بإرساء معالم الدولة و وسّعها نحو الشرق و شمال الصحراء.
حيث قال فيه الورثيلاني في كتابه الشهير بالرحلة الورثيلانية:
"سيدي أحمد بن عبد الرحمن و ولده هو الذي بقلعة بني عباس، أقام المملكة فيها بأن أسس العساكر و أجيش الجيوش و أخذ المغرم في القرن العاشر الهجري، وصلت عساكره عمالة تونس و وادي ريغ في الصحراء و من جهة الغرب وصل إلى مزاب و بلد الأغواط..."
أمراء آث عباس :
عرفت إمارة آث عباس ازدهاراً كبيراً في عهدالسلطان الثالث و هو عبد العزيز أبو العباس حيث أصبحت القلعة مدينة عظيمة محكمة البنيان تضم أكثر من 80 ألف ساكن و بها مصانع البارود و الأسلحة و العملة و مختلف الصنائع الخ...
بسط عبد العزيز نفوذه على جبال البيبان و زمورة و سهول المجانة الفسيحة و منطقة الغدير الخصبة و منطقة المعاضيد في مسيلة، و الطريق المؤدي من قسنطينة إلى الجزائر. كما أحاط بالإسبان من كل جانب فاضطر ّ هؤلاء إلى مهادنته و تحالفوا معه و أمدوه بالمؤن و القوت، فقويت شوكته و اشتدّت عزيمته و عند تولي حسن باشا الحكم في الجزائر العثمانية تحالف مع السلطان عبد العزيز ضد الإسبان ، فقامت القوات العثمانية و العباسية بمحاصرة بجاية و محاولة انتزاعها من الإسبان، و قامو بغزو تڨرت في الجنوب سنة 1552م، و في هذه الحملة تعلم جنود القبائل استعمال المدفعية حتى يرفعوها فيما بعد على أسوار القلعة. غير أن الحلف انتهى بعدما حاول الأتراك الغدر بعبد العزيز أثناء مكوثه بالجزئر، فاحتدمت المعارك بين الأتراك و إمارة بني عباس من جديد حتى أحكم السلطان عبد العزيز قبضته على تڨرت و مسيلة بالإضافة إلى الأراضي التي كانت بحوزته قبل أن يقتل في إحدى المعارك ضد العثمانيين سنة 1559م.
خلف الأمير عبد العزيز رابع الأمراء و هو محمد أمقران و إليه تنسب عائلة المقراني فيما بعد، و قد استطاع محمد أمقران من رفع مستوى الجيش عددا و عدة و واصل حروبه ضد الأتراك حتى استطاع ضم بسكرة و طولڨة و الجلفة و بوسعادة و ولاد نايل و شمال الصحراء و الزاب.
كما أجبر الأتراك على الإعتراف بإمارة اث عباس و به كأمير سيد على أراضيه. و استطاع انتزاع أراضي إمارة كوكو المجاورة في غرب منطقة القبائل ثم تحالف محمد آمقران مع العثمانيين و أعان حسن خير الدين في الحملة العسكرية ضد الإسبان في وهران ، و لكن سرعان ما عادت المعارك بين الطرفين و توفي هو الآخر سنة 1600م في إحدى المعارك ضد الأتراك الذين لم يتوقفوا عن دسّ الدسائس ضد إمارة بني عباس.
بعد وفاة محمد آمقران خلفه ابنه السي الناصر آمقران و هو خامس الأمراء، لكنه لم يتمتّع بالحنكة السياسية التي كانت لدى والده. و كان عالماً زاهداً بعيداً عن أمور السياسة يهتمّ أكثر بالتدريس و العلوم حيث قال فيه الورثيلاني ما يلي :
"و من علماء القلعة و آخرهم في المملكة سيدي الناصر، و هو عالم فاضل زاهد و قيل أنه من زهده يلبس الغرارة شعاراً على لحمه، و قد رتّب طلبة العلم نحو الثمانين طالباً "
في عهد السي الناصر بدأت مناطق الجنوب بالإنفصال عن الإمارة دون أن يردعها ، و قام بتسريح الجيوش مما أيقض ثورات داخلية ضدّه.
و قد توفّي هو الآخر مقتولا سنة 1624م ، قيل أنه قُتل في إحدى المعارك ضد الأتراك و قيل أنه قتل من أحد الخونة المندسّين، و لكن بوفاته انتشرت الفوضى في الإمارة و قامت العديد من فروع أسرة المقرانيين بالتنازع على الملك مما أضعف الدولة و أذهب ريحها.
و لكن رغم ذلك بقيت الدولة قائمة تسيطر على شرق منطقة القبائل و منطقة مجانة و بوابة البيبان و الطريق الرابط بين قسنطينة و الجزائر.
وصف قلعة آث عباس في القرن19:
الصورة أعلى المقال مأخوذة من كتاب À Travers La Kabylie للفرنسي Charles Farine سنة 1865م، و تبيّن منظر مدينة القلعة المهيبة على ارتفاع يقارب الألف متر، عاصمة إمارة آث عباس بإيغيل علي في بجاية.
يعبّر الكاتب بعد تطرّقه لنظافة المدينة اللافت للنظر على مدى اندهاشه من جمال المدينة و كيف تم تشييدها في هذا المكان الشاهق، حيث يقول في الصفحة 257 و 258 ما يلي:
"المدينة تعلو مثل عش النسر .. على كتلة من الجرانيت التي تصعد على حوض بركاني هائل ملحق بالأرض عبر هذا الطريق الضيق من الصخور الذي تحدثت عنه، مما يجعلها تبدو كمحيط منارة ضخم على بُعد الرصيف، مظهرها رائع بالفعل... هذا الكمً من البيوت البيضاء المغطّاة بالقرميد الأحمر و التي تعلوها منارة لامعة و بعض الأشجار من الدردار أو الحور تعطيها منظراً مبهجاً و راقيا.. ثم منظر الوادي العظيم الذي ينفتح بين أعينكم مدهش باتساعه..."
إن كان هذا اندهاش الزوّار لمدينة القلعة و هي في زمن انحطاطها قبل غزوها من طرف المستدمر الفرنسي فكيف كان انبهار الزّوار لها و هي في أوج ازدهارها منتصف القرن ال 16م ؟
سقوط القلعة على يد الغزاة الفرنسيين :
لم يستطع العثمانييون أبداً من اقتحام القلعة رغم عدة محاولات فبقيت حصناً منيعاً طيلة ثلاثة قرون إلى غاية غزوها من طرف الفرنسيين سنة 1871م ، بعد ثورة المقراني سليل هذه العائلة الملكية و آخر حكام القلعة، بدعم من الشيخ الحداد و الزاوية الرحمانية.
قام الفرنسييون بدكّها و تدميرها حجراً على حجر و محوا أغلب معالمها من الوجود، وتم الاستيلاء على الكثير من كنوز القلعة ولكن بعضها تم تهريبه إلى وجهة مجهولة من طرف أخ المقراني حسب بعض الروايات الشفهية. كما شرّدوا أهلها و تم نفي الكثير منهم إلى كاليدونيا الجديدة. و حاليا، لم يتبق شيء من القلعة اليوم سوى بعض الأطلال قرب قرية ثاقرابث في إيغيل علي بأعالي بجاية.
#المراجع:
_ الرحلة الورثيلانية للشيخ الحسن بن محمد الورثيلاني
_ بجاية من خلال النصوص الغربية لإسماعيل العربي
_ إفريقيا لمرمول كربخال

ليست هناك تعليقات