حقيقة خيانة أمير كوكو للجزائر
حقيقة خيانة أمير كوكو للجزائر
هل تواصل أحمد والقاضي فعلاً مع الإسبان ؟
مقدمة :
في البداية، الحقيقة التي لا تقولها الصفحات المغرضة أن جميع حكام شمال إفريقيا دخلو في مفاوضات مع الإسبان ضد الأتراك بعدما تيقنو من أن الأتراك يملكون أطماع استعمارية و استبدادية على أراضيهم. فهم بذلك يضربون الأعداء بالأعداء، و هذا في عُرف السياسة ليس خيانة لأن التحالفات التي يجرونها إنما هي من أجل الوطن و الدفاع عن الأرض ضد الغزاة و ليس ضد أبناء وطنهم، و مثال ذلك ابن سليم التومي حاكم الجزائر الذي هرب إلى إسبانيا و طلب العون ضد عروج الذي اغتال والده.
فالتاريخ يذكر تحالف أهالي الجزائر مع الإسبان ضد الأتراك ، و نفس الشيء بالنسبة لحاكم تنس و سلاطين الزيانيين في تلمسان و حتى ملوك المغرب و تونس إلخ... من هنا يتبين نفاق الصفحات التي تتهم إمارة كوكو بالخيانة بينما تغض الطرف عن الآخرين، و لكن مراعاة للإختصار سوف نقتصر في هذا المقال على إمارة كوكو و علاقتها مع الإسبان.
مقاومة الإمارة ضد الغزاة الاسبان :
إمارة كوكو استمرّت منذ مطلع القرن ال16 إلى غاية حوالي منتصف القرن ال 18م. و قد حكمها عشرات الأمراء طيلة هذه المدة، و القول بأن أحمد بن القاضي الذي حكم بين 1510م و 1527م تواطئ مع الإسبان ضد الأتراك ليس صحيحاً، و قد بينا في مقالنا السابق كيف أن أحمد بالقاضي كان أبرز المناهضين للغزو الإسباني في الجزائر، و قد حاصر بجاية بجيش مكوّن من أكثر من 20 ألف مقاتل مرتين بين 1512 م و 1515م. كما شارك في المعارك ضد الإسبان في الجزائر و وهران و تلمسان إلى غاية 1518م ، و كانت إمارة كوكو إلى جانب الإخوة بربروس أبرز المحاربين المناهضين للغزو الإسباني في السواحل الجزائرية و أصلاً انتصار الإخوة بربروس لم يكن ليحدث لولا دعم جنود أحمد بن القاضي لهم قبل أن يذعنوا للباب العالي في إسطنبول.
أحمد بلقاضي هو إذاً من أبرز المجاهدين ضد الإسبان في بداية القرن 16 و لم يتواطئ معهم مطلقاً.
رفض عروش زواوة التواصل مع الإسبان :
الأمير الذي تواصل مع الإسبان (و لم يتحالف فعليا معهم) إنما هو أخوه الحاكم الحسين بلقاضي سنة 1541م إذ وعد حسين بلقاضي حسب المؤرخ الإسباني هايدو، الملك شارلكان بمساعدته ب 2000 مقاتل في حملته العقابية ضد مدينة الجزائر التركية، و لكن هذا الحلف لم يتم في الحقيقة و أمير كوكو لم يرسل جنوده بل هذه كانت فقط خدعة ليتحصل على الذهب الإسباني لقاء وعد كاذب مثلما شرح ذلك عمار بوليفة في كتابه جرجرة عبر التاريخ.
ورغم ذلك لقي هذا التواصل مع الاسبان استنكار عروش زواوة، وهذا ما استغله حسان آغا فقاد حملة عقابية ضد أمير كوكو سنة 1542م عندما تخلّت عنه قبائل جرجرة لعتابها عليه
و تركت الجيش التركي يتوغل إلى أن وصل إلى كوكو، و حتى الأمير الحسين رفض القتال لشعوره بالذنب لما فقد دعم القبائل له و اعترف بخطئه و طلب الصلح و دفع جزية من الأموال و الأغنام، كما دفع له ابنه أحمد بن الحسين بن القاضي كرهينة لإثبات حسن نيته في تصحيح خطئه.
الأمير الحسين بن القاضي محرر بجاية من الإسبان :
الشيء الذي لا تذكره الصفحات المغرضة هو أنه سنة 1555م، الأمير الحسين بن القاضي كان الفاعل الرئيسي في تحرير بجاية من الإسبان إلى جانب صالح رايس حيث أنه أرسل أكثر من 30 ألف مقاتل قدموا من مختلف أنحاء بلاد زواوة بعد إعلان الأمير للنفير العام في مقابل 3 ألاف مقاتل تركي فقط بشهادة شارل فيرو و مرمول كربخال. و نجح الثوار في انتزاع المدينة من الإسبان بعد شهرين من القتال و كان هذا أكبر انتصار ضد الإسبان على السواحل الجزائرية على الإطلاق.
المرة الثانية و الأخيرة التي دخل فيها أحد حكام كوكو في تواصل مع الإسبان كان سنة 1598م و يتعلق الأمر بالأمير عمار بن القاضي، و هو حاكم متكبر و متسلط ظالم كان مكروها من طرف قبائل زواوة ، و هو يمثل بداية انهيار سلطة آث و القاضي في جرجرة، و حادثته المعروفة مع الشيخ المرابط بآث جناد سيدي منصور الذي تحداه علانية و تنبأ بموته القريب خير دليل على ذلك و قد توفي الأمير عمار بالقاضي سنة 1618م مقتولا من طرف أخيه، و انشقت بذلك عروش آث جناد نهائيا من سلطة أبناء القاضي و كان ذلك بداية ضعف الدولة.
آخر محاولة للتحالف مع الاسبان ضد الأتراك و رد فعل زواوة :
قاد ابن أخ الأمير عمار بالقاضي و اسمه الأمير عبد الله محاولة جدية للتواصل مع الإسبان باسم الأمير من أجل طلب المساعدة في تحرير الجزائر من العثمانيين، و هو من حمل الرسالة إلى الملك فيليب الثاني و كان على علاقة مع أحد الرهبان الذين عاشوا في الأسر بسجون كوكو ثم عاد لإسبانيا و اسمه ماتيوس، و قد طلب العون من الملك فيليب الإسباني في حملة ستقودها إمارة كوكو بمساعدة ملك المغرب، و الجزائريين الرافضين لحكم الاتراك بمدينة الجزائر ضد العثمانيين، و طردهم من البلاد بصفتهم مستعمرين في مقابل إعطاء امتيازات تجارية للإسبان.
و قد طلب هذا الأمير من الملك أن يرسل بعض السفن إلى أحد موانئ إمارة كوكو، و هو الأمر الذي تمّ بالفعل سنة 1603م إذ أرسل أمير مايورقا أربع سفن معها الأب ماتيوس إلى ميناء أزفون، و نزل الأب و معه 80 من طاقم السفن الرئيسيين و لكن المفاجأة أنه مباشرة بعد الإنزال أحاط أهالي زواوة بالضيوف الجدد و معهم الأب ماتيوس و مزقوهم و قتلوهم جميعاً و استولوا على سفنهم (ارجع لكتاب Espagne et Koukou revue des de deux monde لمزيد من الفائدة ) و كانت هذه رسالة صريحة لملك إسبانيا مفادها أن أمير كوكو ليس هو جرجرة ..
شكلت هذه الحادثة بداية انفلات عقد الدولة من عائلة ابن القاضي و هي آخر مرة تواصل فيها هؤلاء مع ملوك إسبانيا.
بعد كل هذا نستنتج أنه رغم تواصل اثنين من حكام كوكو على فترات مختلفة مع ملوك إسبانيا و لكنهم لم يدخلوا مطلقاً مع أي حلف حقيقي مع الإسبان، و لم يشارك أمراء كوكو في أي حرب أو معركة ضد العثمانيين رغم العداء التاريخي بين الإمارة و إيالة الجزائر العثمانية بصفتها مستعمرا للبلاد و العباد.
#المراجع:
- Le Djurdjura à travers l'histoire de Si Amar
Boulifa.

ليست هناك تعليقات